خمسُ ضروراتٍ: لتجريم الخطاب الطائفي

خمسُ ضروراتٍ: لتجريم الخطاب الطائفي

لم يعد الخطاب الطائفي مجرد عارض جانبي للأزمة السورية، بل يتم العمل على تحويله إلى أداة تدمير ممنهجة تقوض ما تبقى من أسس الدولة، وعائقاً أمام تبلور أي مشروع مستقبلي لإنقاذ البلاد.
من هنا، يبرز تجريم الخطاب الطائفي ليس كترفٍ فكري أو خيار سياسي مؤجل، بل ضرورة وجودية، ومدخل إلزامي لإعادة بناء جهاز الدولة وفق استحقاقات الظرف السوري الراهن، وموقع سورية في العالم المعاصر.. لماذا؟
أولاً: تعارض الطائفية مع الوطنية

تتعارض الطائفية على طول الخط مع الوطنية كفكرة جامعة ومظلة تحمي الجميع. الوطنية في جوهرها المعاصر هي رابطة قانونية وسياسية وأخلاقية، تقوم على المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، بينما تقوم الطائفية على التمييز، والإقصاء، والارتهان لخصوصيات ضيقة تلغي الفرد- المواطن، لصالح الجماعة المذهبية. هذا التناقض يجعل من المستحيل بناء دولة حديثة قادرة على القيام بدورها الوظيفي في تنظيم العلاقة بين العناصر التي تشكل هرم الدولة: الجغرافيا، والشعب، والسلطة، والمؤسسات، والأحزاب.
في الدولة التي يغزوها الخطاب الطائفي، يتعطل هذا الهرم بالكامل؛ فتصبح الجغرافيا مجرد كانتونات ممزقة، ويتحول الشعب إلى طوائف متناحرة، وتتحول السلطة من أداة لإدارة الشأن العام إلى عملية تحاصص، وتفرغ المؤسسات والأحزاب من محتواها الوطني لتصبح قوى مشلولة، أو واجهات لخدمة العصبية الطائفية.
إن إحدى مهام جهاز الدولة هي إدارة التوازن الاجتماعي، وحيادية المؤسسات وهذا ما تنسفه الطائفية من جذوره.


ثانياً: تقويض السلطة نفسها


من المفارقات الكبرى أن الطائفية، وإن بدت لبعض أطراف السلطة في مرحلة ما كأداة لحشد الأنصار وتأمين الولاء الأعمى، إلا أنها في النتيجة تقوِّض السلطة نفسها وتشل عصبها. فالخطاب الطائفي يفتح الباب على مصراعيه للمحسوبية والولاء على حساب الكفاءة والمواطنة. عندما يصبح الانتماء الطائفي أو المذهبي هو المعيار الأساسي للتعيين، والترقية، وتوزيع المناصب في مفاصل الدولة الأمنية، والعسكرية، والقضائية، والإدارية، فإن النتيجة الحتمية هي انهيار الكفاءة وتفشي الفساد والمحسوبية. هذا التآكل الداخلي يحرم الدولة من الطاقات والخبرات الحقيقية الكفيلة بإنقاذها، ويحيل المؤسسات إلى جزر تابعة لمراكز قوى محلية متصارعة. وبمرور الوقت، تعجز هذه السلطة المأزومة عن ترميم ما دمرته، وتقديم ما تبقى من الخدمات الأساسية أو فرض القانون، لتتحول هي نفسها إلى عبءٍ على المجتمع وعلى قاعدتها المفترضة، وتسقط في فخ الشلل التام الذي يمهد لزوالها وحدوث الفراغ بكل ما يعنيه من مخاطر.


ثالثاً: إخفاء الصراع الحقيقي


يمثل الخطاب الطائفي حالة من الاصطفاف الكاذب والوهمي؛ إذ يسعى إلى تسويق ثنائيات وهمية تقسم المجتمع شاقولياً (طائفة ضد طائفة)، مخفياً بذلك التناقضات الأساسية والصراعات الحقيقية ذات الطابع الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي. إن الصراع الحقيقي في سورية، كما في أي مجتمع، هو صراع بين مصالح سواد الناس في العيش الكريم، والعدالة، والحرية، وبين شريحة ضيقة تستأثر بالثروة والسلطة والقرار. بواسطة الخطاب الطائفي، يتم تزييف وعي الجماهير، وتوجيه غضب الفئات المهمشة والفقيرة نحو “الآخر” الطائفي، بدلاً من توجيهه نحو السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أفقرت الجميع دون تمييز. إن الطائفية بهذا المعنى هي “أفيون” يُستخدم لحماية الامتيازات الطبقية وشبكات الفساد، وتحويل الصراع من صراع وطني ضد الاستبداد والنهب، وتحريك عجلة الإنتاج ومعالجة تداعيات الأزمة، إلى صراع أهلي يدمر ما تبقى من النسيج المجتمعي.


رابعاً: وهم الحماية الطائفية


تُثبت الوقائع التاريخية، القريبة والبعيدة، أنه لا يمكن مواجهة الطائفية بطائفية مضادة؛ فالنار لا تُطفأ بالنار، بل تزيدها اشتعالاً. والتجربة السورية القاسية تقول: إن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت في مناطق مختلفة، ومنها ما جرى في بعض مناطق الساحل، أو السويداء، أو غيرها من المحافظات السورية، قدمت الذرائع المثالية للانعزال الطائفي، والانكفاء نحو الهويات الضيقة بحجة “حماية الطائفة” والدفاع عن الوجود. إن هذا الانعزال، وإن بدا في لحظات الخوف والاضطراب كملاذٍ آمن، هو في الحقيقة مسمار في نعش وحدة البلاد، إذ يفتح الباب واسعاً لمشاريع التقسيم والفدرلة القسرية على أسس مذهبية وعرقية، حماية أي مكون سوري لا يمكن أن تتحقق عبر التقوقع داخل جدران طائفية سميكة، بل عبر الخروج إلى الفضاء الوطني الرحب، والعمل على بناء دولة القانون والمواطنة التي تشكل وحدها الضمانة الحقيقية والأبدية لجميع أبنائها. فالتقسيم لن يجلب الأمن لأي طائفة، بل سيحول الكيانات الصغيرة الناشئة إلى بؤر صراع دائم، وساحات تصفية حسابات للقوى الإقليمية والدولية.


خامساً: تغيير جذري..استراتيجية شاملة


بناءً على ما تقدم، فإن تشريع قوانين حاسمة لتجريم الخطاب الطائفي، ومكافحة خطاب الكراهية، وتجريم التمييز على أسس دينية أو مذهبية، لم يعد خطوة ثانوية، بل هو حجر الأساس في أي مشروع حقيقي للإنقاذ الوطني. إن تجريم هذا الخطاب هو الرافعة الأساسية لإعادة بناء جهاز الدولة وفق ضرورات العالم المعاصر؛ حيث من المفروض أن تدار الدول بناءً على الكفاءة، والمؤسساتية، والشفافية، وسيادة القانون.
هذا التجريم على أهميته ينبغي ألّا يقتصر على البعد القانوني الجزائي فحسب، بل ينبغي أن يترافق مع استراتيجية وطنية شاملة تشمل الاقتصاد والسياسة والثقافة والتعليم والخطاب الديني بهدف نسف أسس الطائفية، وتجفيف منابع الفكر الطائفي.
يجب أن يدرك السوريون، أن الخروج من مستنقع الأزمة الراهنة يتطلب شجاعة أخلاقية لمواجهة الذات، والإقرار بأن الاستثمار في الغرائز الطائفية هو انتحار جماعي.
نختصر ونقول: إن تجريم الطائفية، وصياغة عقد اجتماعي جديد يرى في التنوع السوري مصدراً للغنى والقوة، وفي المواطنة أساساً وحيداً للحقوق والواجبات، هو ضرورة وطنية لا تقبل التأجيل والتسويف والمماطلة، وعندما نقول: إن التجريم ضرورة وطنية، فهذا يعني أنه دفاع عن بقاء سورية دولة واحدة موحدة، ودفاع عن حق السوريين في وطن ينعمون فيه بالكرامة والحرية والعيش الكريم، وقطيعة عملية مع إرث السلطة الساقطة، وهو أيضاً دفاع عن تاريخ الشعب السوري الذي كشف عن وعي حضاري مبكر، عندما أجهض مشاريع الدويلات الاستعمارية، ورفض استغلال التنوع الديني والطائفي كأداة تفتيت تحت شعار (الدين لله والوطن للجميع).

معلومات إضافية

العدد رقم:
1282