في البحث عن الفكرة الجامعة
تتعدد جوانب التراجيديا السورية، اذ تتداخل فيها الأبعاد التاريخية بالمعطيات الراهنة، ويتكامل فيها العامل الداخلي مع التدخلات الخارجية العابرة للحدود. ونشهد تخادماً غير معلن بين السلطة ومن يعتبر نفسه معارضة، وتشوهاً حاداً في العلاقة بين الثقافي - السياسي والاقتصادي-الاجتماعي وانزياحاً خطِراً للهوية الوطنية العامة لصالح الهويات الفرعية والخاصة، حيث بات اليومي والعابر والهامشي يطغى على ما هو استراتيجي ووجودي، مما أدى في المحصلة إلى غياب، بل وتغييب، أي (فكرة جامعة) قادرة على لم شتات الجغرافيا والديمغرافيا.
أمام حالة الاستعصاء التاريخي، يفرض سؤال الإنقاذ نفسه كشرط لازم وأولوية قصوى على بساط البحث والعمل. كيف يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ ويصبح هذا التساؤل هو المعيار الوحيد لأية قراءة جادة ومسؤولة تتعلق بالشأن السوري. وكل ما عدا ذلك من نزق سياسي، وردود أفعال آنية، والاتكاء على عقد المظلومية التاريخية والمتبادلة، ليس سوى صب للزيت على نار الأزمة، يساهم في زيادة أوارها وتحطيم ما تبقى من جسور، مهما كانت النوايا طيبة أو الشعارات براقة.
الممكن والضرورة
إن المقاربة العلمية لتفكيك الأزمة السورية تفرض علينا الإقرار بجدلية العلاقة بين «الخاص» و«العام». إذ لا يمكن حل أية مشكلة فرعية أو مناطقية حلاً حقيقياً ومستداماً بمعزل عن الحل الوطني العام والشامل. وفي المقابل، لا يمكن التوافق على هذا الحل العام دون تفهّم عميق للمشكلات الفرعية، والتعامل معها كقضايا وطنية عامة لا تخص بقعة أو جماعة بعينها. فمشكلة السويداء، على سبيل المثال، ليست مشكلة أبناء السويداء وحدهم، وكذلك هي الحال بالنسبة لمعاناة الساحل، أو أزمات الشمال الشرقي والشمال الغربي. إن تحويل الهواجس المحلية إلى قضايا وطنية تشغل الوجدان العام هو الخطوة الأولى نحو كسر العزلة العاطفية والسياسية بين المكونات السورية.
يرتبط هذا الاستعصاء بخلل عميق أفرزه شكل وتطور النظام السياسي، ويتمثل في تشوّه عملية الاستقطاب السياسي في البلاد، وتحديداً عدم التطابق بين الفرز الاجتماعي والفرز السياسي؛ أي الفجوة الهائلة بين المصالح الحقيقية لسواد الناس (في العيش، والحرية، والكرامة) وبين ولاءاتهم السياسية أو الأيديولوجية أو الطائفية. هذا الفرز المشوّه منع، على مدار سنوات، تبلور «الكتلة الاجتماعية الحرجة» القادرة على حسم الموقف ودفع البلاد نحو التغيير والإنقاذ. وبدلاً من ذلك، بات الهاجس الأساسي لكل طرف أو فصيل أو سلطة أمر واقع هو إرضاء قاعدته الجماهيرية الضيقة لحسابات كميّة مقيتة، خوفاً من فقدان الوزن والامتيازات أمام الخصوم المفترضين في الميدان، فكان الخطاب الشعبوي ومحاكاة الغرائز أداة فاعلة لدى قوى الفضاء السياسي التقليدي برمته.
تصدّع الكتل الصماء
ولكن، ولأن الوقائع عنيدة، ولأن قوانين الصراع الاجتماعي تفرض نفسها في نهاية المطاف رغماً عن إرادة الجميع، فإننا نشهد اليوم تصدعاً في هذه الكتل المصمتة. فكل بنية فرعية (طائفية، أو قومية، أو دينية، أو مناطقية) باتت منقسمة على نفسها وتعيش صراعها الداخلي. فلا السلطة تشكل كتلة متجانسة، ولا السويداء استطاعت الحفاظ على انسجامها الداخلي الذي تشكّل عقب المجازر والتحديات الأمنية، والوسط السياسي الكردي يزداد تشرذماً، والساحل يعيش غلياناً تحت الرماد. هذا الانقسام الداخلي في البنى الفرعية، برغم خطورته، يحمل وجهين؛ فهو من جهة يعكس عمق التشظي، ولكنه من جهة أخرى يثبت فشل الهويات الفرعية في تقديم حلول حقيقية لجمهورها، مما يفتح الباب مجدداً للبحث عن المظلة الأوسع.
كيف يحدث التراكم؟
هنا تحديداً، يبرز التحدي الأكبر؛ البحث عن «الفكرة الجامعة» الضائعة وسط ركام الحرب. للوصول إلى هذه الفكرة، لا يكفي الاقتصار على طرح الشعارات العامة والعموميات الفضفاضة في الخطاب السياسي - وإن كان الطرح العام شرطاً تأسيسياً لا غنى عنه - بل يجب ربط هذا العام بما هو ملموس ومباشر في حياة الناس وهواجسهم اليومية. إن التجريد النظري والنخبوي، مهما كان متقدماً ومصاغاً بلغة معرفية رفيعة، لا يمكن أن يتحول إلى عامل استقطاب جماهيري، ولا يمكنه مراكمة القوى على الأرض
برنامج على بساط أحمدي
إن الهاجس المشترك والملموس للأغلبية الساحقة من السوريين اليوم، عابر للخطوط العسكرية والسياسية، وهو: ضرورة الخروج من مستنقع هذه الأزمة، بكل ما تعنيه من واقع معيشي وأمني متهالك، ومستقبل غامض يهدد الأجيال القادمة. بناءً على ذلك، فإن صياغة برنامج وطني واضح، ملموس، ومباشر يركز على آليات الخروج من المستنقع، يمكن أن يشكل الأداة الحقيقية لإعادة تجميع عناصر هذه البنية السورية المتشظية.
إلى جانب هذا البرنامج الإنقاذي الملموس، يجب أن تتأسس الفكرة الجامعة على ركيزة أخلاقية وسياسية حاسمة، تتمثل في الرفض المطلق والمقونن للطائفية وخطاب الكراهية. إن فضح آليات الاستثمار في الكراهية وتعرية القوى التي تتغذى عليها، يجب أن يتحول من شعار أخلاقي إلى برنامج عمل سياسي وثقافي. فالطائفية هي الأداة الأقوى التي استخدمت لتقويض المجتمع السوري، وبالتالي فإن تفكيكها هو الحجر الأساس في بناء أي فكرة جامعة مستقبلية.
في ظل الترهل المزمن الذي أصاب عموم الفضاء السياسي التقليدي تبلور وعي مسبق تجاه عملية التحزب بعضه مبرر وبعضه مفتعل لا شك، ومن هنا كان استعادة الروح الكفاحية وربط القول بالممارسة، والتحلي بالجرأة والغيرية وتقديم المثل والنموذج والقدرة على المبادرة وإبداع الحلول، شروط ضرورية لأية قوى سياسية قديمة او جديدة حتى تكسب ثقة الناس، وبالتالي شرط أي عملية إنقاذية جادة، وتوفير حوامل الفكرة الجامعة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281