أخوة التراب من ديريك وتل حميس إلى درعا.. الجوع لا يصنع وطناً
عصام حوج عصام حوج

أخوة التراب من ديريك وتل حميس إلى درعا.. الجوع لا يصنع وطناً

كشفت ملامح وجوه الفلاحين المحتجين على تسعيرة القمح الأخيرة، ونبرة القهر الكامنة في صيحاتهم، ودلالات التحدي في قبضاتهم المرفوعة، والوعي العميق المبثوث في لافتاتهم وشعاراتهم، عن طبيعة هذه الشريحة الاجتماعية العريضة ومركزيتها في الجغرافيا السورية.

إنها شريحة لا تتجلى أهميتها في حدود الإنتاج المادي والغذائي فحسب، بل في غنى عالمها الروحي، وعمق انتمائها للتراب، وطاقاتها الكامنة.
في ساحات الاحتجاج الراهنة، تتعدد المشاهد والصوت واحد؛ هنا فلاحٌ يلوّح بغضب يملأ الأفق مهدداً بهبة شعبية جديدة، وهناك آخر يقف على ضفاف الفرات محاطاً بسنابل الذهب التي تبخس السلطات ثمنها، رافعاً لافتة يختصر بها مأساة وطن: (كالعيسِ في البيداء يقتلها الظما.. والماءُ فوق ظهورها محمول). وفي زاوية أخرى، يبرز فلاح يتهكم بسخرية لاذعة على تصريحات الوزراء المعنيين بالقطاع الزراعي، داعياً إياهم لمغادرة المكاتب المكيفة، وحساب كلفة الإنتاج الحقيقية مقارنة بالسعر المعلن، الذي بالكاد يغطي ثمن البذار والمازوت. ووسط هذه الجموع، يتردد النداء الأقرب لروح الهوية السورية: (إذا خسر الفلاح.. خسر الوطن). رسائل مشفرة وواضحة من قلب البيادر.

إن احتجاجات الفلاحين الراهنة، الممتدة من ديريك وتل حميس في أقصى الشمال الشرقي إلى سهول حوران في الجنوب، ليست مجرد حراك مطلبي عابر، بل هي بمثابة رسائل واضحة موجهة إلى الأطراف كافة، وتتأرجح مضامينها بين المشفّر السياسي والواضح المعاش. هي:
أولاً: رسالة إلى السلطات القائمة بأن لقمة عيش الشعب خط أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر، وأن الجوع كافر لا يعترف بالعهود ولا بالصبر.
ثانياً: رسالة بليغة إلى “حزب اليأس والإحباط السوري”، أولئك الذين غرقوا في مرارة العدمية، وفقدوا الثقة بحركة التاريخ وبقدرة الشارع على الفعل والمواجهة.
ثالثاً: صفعة للمترددين والمنتظرين والكسالى الذين ألفوا الجلوس في مقاعد المتفرجين مترقبين حلولاً جاهزة تأتيهم من وراء الحدود.
أخيراً: هي رسالة أمل وثقة إلى ما تبقى من قوى حيّة في الديموغرافيا السورية، تؤكد أن المدد الحقيقي للحراك الوطني قد يأتي من الفئات الأشد إنتاجاً و(صمتاً)، ليكونوا بمثابة (جنودٍ لم تروها) يعيدون تصحيح المسارات المنحرفة.


إرث كفاحي... صناعة التاريخ


إن شريحة الفلاحين في سورية اليوم، وإن كانت تعكس في احتجاجاتها الحالية مصالحها الاقتصادية المباشرة وحقها في العيش الكريم، إلا أنها تمثل الامتداد الطبيعي لإرث كفاحي طويل واكب تشكل الدولة السورية الحديثة منذ البدايات. فالريف السوري كان على الدوام وقود الثورات الوطنية والانتفاضات الكبرى. فلم تتبلور الثورة السورية الكبرى عام 1925، على سبيل المثال، في الصالونات السياسية في الحواضر الكبرى، بل ولدت في المضافات وبيوت الفلاحين، ورُويت بدمائهم في حقول القمح وكروم العنب والزيتون في جبل العرب، وسهل حوران، وجبال الساحل، وريف حلب وإدلب والجزيرة والفرات. وفي خضم معارك التحرر والاستقلال، كانت هناك معركة اجتماعية وتنموية أخرى تدور رحاها في الريف السوري. فبعد دخول الآلات الزراعية الحديثة ومكننة الإنتاج، زادت ريعية الأرض وقيمتها، مما أدى إلى تغوّل النظام الإقطاعي، وتحكمت بضع عائلات متنفذة في الجزيرة وريف حلب وحماة وحوران بملكية ملايين الهكتارات، وتحول الفلاحون إلى مجرد أجراء سخرة محرومين من حقوقهم الإنسانية والسياسية. كانت تلك معركة شرسة خاضها الفلاحون ضد سلطة الإقطاع المطلقة المستقوية بأجهزة الدولة، وبعض رجال الدين التقليديين. وانتقلت هذه المواجهة التاريخية من الحقول إلى أروقة البرلمان السوري عام 1954، محدثة استقطاباً اجتماعياً حاداً، إلى أن تكللت بصدور أول قانون للإصلاح الزراعي عام 1958. وبموجب هذا القانون، دخل ملايين الفلاحين السوريين إلى التاريخ من بابه الواسع؛ حيث تحول الفلاح من “أجير سخرة” مستلب إلى “مالك للأرض” وشريك في القرار. هذا التحول الهائل في القوى المنتجة زاد من الوزن النوعي للريف، وجعل من الفلاحين لعدة عقود صمام الأمان الحقيقي للاستقرار المجتمعي والسياسي في البلاد. بفضلهم، غدت سورية الدولة الوحيدة في المنطقة التي تحقق الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية، ليصبح الفلاح موضوعياً أحد أمتن أعمدة الاستقلال والقرار السياسي الوطني.


تهميش الريف والشرارة الأولى


مع مرور العقود، بدأت بنية النظام السياسي السابق تتفسخ، وتغوّل الفساد المحسوب على النخب الحاكمة، وتعطلت مشاريع تطوير القطاع الزراعي الكبرى. تراجع الإنتاج الزراعي كماً ونوعاً، وجاء تبني ما سمي بـ “اقتصاد السوق الاجتماعي” ليعزز التراجع التدريجي لدور الدولة الرعائي والاجتماعي.
رُفع الدعم الحكومي عن البذار والأسمدة والمحروقات، وهُمش القطاع الإنتاجي الزراعي والصناعي لصالح قطاعات طفيلية، مثل: العقارات، السياحة النخبوية، والاحتكار التجاري القائم على الاستيراد. ترافقت هذه السياسات الجائرة مع سنوات جفاف متلاحقة وقاسية بين عامي 2006 و2010، ليجد الفلاح السوري- توأم الأرض وشقيق التراب- نفسه أمام كارثة وجودية غير مسبوقة. انعكست في هجرة قسرية لما يقارب المليون فلاح من المحافظات الشرقية نحو عشوائيات أطراف المدن الكبرى (دمشق، حلب، وحمص)، والخارج، حيث تجرعوا مرارة التهميش، والقهر الاجتماعي، والفقر، والإذلال اليومي. لم يكن عبثاً إذاً، أن تنطلق الشرارة الأولى للحراك الشعبي عام 2011 من المناطق الزراعية بالذات، ولم يكن مصادفة أن تكون جبهات الحراك الأشد توتراً وإصراراً هي درعا، دير الزور، إدلب، وحمص، وريف دمشق. لقد كان ذلك الانفجار رداً موضوعياً ومباشراً على تدمير العالم المادي والروحي للفلاح، ولحظة صدام صارخة بين سياسات السلطة الأمنية والاقتصادية وبين بنية هذه الشريحة الاجتماعية التي جُردت من مقومات بقائها.


تمسكٌ بالتراب..وانتفاضة جديدة ضد التهميش


طوال سنوات الأزمة الطويلة والدامية، وفي الوقت الذي انخرطت فيه نخب كثيرة في تجارة الحرب والارتهان للخارج، والصراع على السلطة، بقي الفلاح السوري البسيط هو الكائن الأكثر تمسكاً بالهوية والتراب. بما تيسر له من إمكانات شحيحة، وتحت نيران القصف والحصار والتهجير وفقدان الأمان، استمر الفلاح في فلاحة أرضه وبذرها، كأنما هناك عهد أبدي معقود ومكتوب بالدم والعرَق بينه وبين الأرض؛ عهد لا تلغيه الحروب ولا تمحوه الخرائط السياسية المتغيرة.


الخذلان من جديد!


مع التحولات السياسية الكبرى وسقوط السلطة البائدة، عقد الفلاح السوري آمالاً عريضة على العهد الجديد والوضع القائم، متطلعاً إلى عدالة اقتصادية تنصف تعبه وتعيد الروح للقطاع الزراعي المنهك. غير أن الصدمة كانت قاسية؛ إذ تفاجأ الفلاحون بأن السياسات الاقتصادية السابقة ذاتها لا تزال مستمرة، وأن عقلية التهميش والارتجال وإهمال الريف ما زالت تحكم عقول الإدارات الحالية والسلطة الانتقالية. أمام هذا الإجحاف، انتفض الفلاح السوري مجدداً في حقوله وبلداته. إن هذه الانتفاضة الراهنة ليست دفاعاً عن كفاف يومه، أو حسابات ربحه المالي فحسب، بل هي أيضاً دفاع مستميت عن كرامته الإنسانية والوطنية التي يستمدها من هذه الأرض؛ الأرض التي ليس له في هذا العالم سواها ملاذاً وهوية. تاريخ سورية، في جوهره وعمقه، هو تاريخ الفلاح السوري. فكل رغيف خبز يُخبز ويُؤكل اليوم على امتداد هذه الجغرافيا، وكل شبر من الأرض ما زال ينطق باللون الأخضر ويقاوم التصحر والموت، هو نتاج كد وعرق ومثابرة تلك الأيادي الخشنة، وتلك الجباه السمراء التي تتشرب ضوء الشمس كل صباح.
الفلاح السوري كان، وما زال، الصانع الأساسي لتاريخ هذه البلاد وجغرافيتها... وهو الصانع الاساسي لسلطاتها ومستقبلها أيضاً، واللبيب من الإشارة يفهم.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1279