جرائم السويداء بين البُعد الأخلاقي والبُعد السياسي

جرائم السويداء بين البُعد الأخلاقي والبُعد السياسي

يوم الثلاثاء القادم، 14 تموز 2026 ، يكون قد مر عام كامل على المجازر التي ارتكبت في السويداء على مدار 4- 5أيام؛ مجازر فظيعة راح ضحيتها ما يزيد عن 1700 إنسان، وأضعافهم من المصابين إصابات بعضها دائم،ناهيك عن حالات الاختطاف والتغييب ومختلف أشكال الانتهاكات، إضافة إلى تهجير ما يتجاوز 150 ألفاًًمن قراهم ودورهم، وهؤلاء ما يزالون نازحين داخلياًً في ظروف صعبة.

تمر هذه الأيام ذكرى مجازر السويداء، والعودة إليها من زاوية التحليل واستخلاص العبر ضرورة وطنية سورية من الدرجة الاولى، وفي نفس الوقت ضرورة من جهة إنصاف الضحايا وذويهم، ومنع تكرار مثل هذه الجرائم البشعة في أي بقعة من الأراضي السورية، فالحدث ليس مجرد جريمة عابرة تُضاف إلى سجل المآسي السورية، بل هو مرآة تعكس التشابك بين الجانب الأخلاقي والاستثمار السياسي في مجتمع مُنهكٍ وبنية هشة، سهلة الاختراق.

 

العنف الأعمى في البيئة السورية الراهنة ليس حدثاً معزولاً أو طارئاً بقدر ما هو نتيجة حتمية لانفجار البنى السياسية والاجتماعية والأمنية، في ظل تقاطع الحسابات المحلية الضيقة مع أجندات القوى الإقليمية والدولية. من هنا، تصبح المقاربة الأخلاقية القائمة على الإدانة والتعاطف وحدهما– رُغم نبلها وضرورتها– عاجزة عن تفكيك الجذور الحقيقية للمأساة، ما لم تُوضع تحت مجهر التحليل السياسي الشامل والعقلاني، وخارج دائرة الهذيان الطائفي.

سنحاول هنا الإضاءة على أبعاد الحدث، ونستعين بنماذج تاريخية مقارنة، توضح كيف تتحول "الصدمات الجماعية" إلى أدوات سياسية تُعاد من خلالها هندسة المجتمعات بطرق تضر بأمنها المحلي ومستقبلها الوطني.

 

بين غريزة البقاء والعقل

 

أحدثت المجزرة هزة عنيفة وشعوراً بوحدة الحال بين أبناء السويداء، تجلت في تعبيرات عاطفية ومواقف سياسية حادة. تجاور فيها ما هو مشروع مع التوظيف السياسي الملتبس والمشبوه، هذه الاستجابة الأخلاقية والوجدانية هي آلية دفاع اجتماعي طبيعية تماماً بين العامّة، فالشعور بالضيم، والخوف الغريزي من تكرار الاستهداف، والشك العميق في قدرة أو رغبة المؤسسات الرسمية في توفير الحماية، كلها مشاعر بديهية لدى أي مجتمع يتعرض لصدمة جماعية غير مسبوقة، ولكن بالنسبة للنخب شيء آخر.

 

لكن، وبكل الأحوال يفرض هذا التحدي المصيري طرح السؤال التالي:

هل يكفي البعد الأخلاقي وحده لحماية المجتمع وتحصينه؟

تثبت التجارب التاريخية، أن الانفعال الأخلاقي غير المؤطر سياسياً غالباً ما يتحول إلى وقود لخيارات انتحارية، تدفع بالمجتمع نحو مسارات مغلقة تزيد من هشاشته بدلاً من حمايته. وهنا تحديداً تبرز أهمية الانتقال من رد الفعل الوجداني إلى القراءة السياسية الباردة.

 

هندسة الصراعات

 

في أدبيات علم الاجتماع السياسي ودراسات النزاعات المعاصرة، يبرز مفهوم "الهندسة الاجتماعية للصراعات". وهو عبارة عن استراتيجية مركّبة تعتمدها سلطة ما، أو تنظيمات مسلحة، أو جهات خارجية، تهدف إلى دفع جماعة معينة نحو مأزق وجودي عبر صناعة صدمات أخلاقية مروعة.

تعتمد هذه الاستراتيجية على تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

أولاً: تعطيل العقل: نقل العقل الجمعي للمجتمع من مربع التفكير الاستراتيجي إلى مربع الدفاع الغريزي عن البقاء، والتشكيك في كل شيء.

 

ثانياً: صناعة القلق وتعزيزه: تركيز وعي الجماعة على الخطر الآني المحدق، مما يحجب عنها رؤية المشهد الكلي.

ثالثاُ: اعتماد الحلول المُقولبة: دفع المجتمع نحو خيارات سياسية تُقدَّم له بوصفها "طوق النجاة الوحيد"، بينما هي في الحقيقة تعيد إنتاج الأزمة؛ وفي حالة السويداء، تتأرجح هذه الحلول المشبوهة بين واجهتين: "استعادة السيادة" بطرق ملتوية من جهة، أو خرافة الانفصال، وما يُعرف بـ "دولة الباشان" من جهة أخرى، بدعمٍ من نتنياهو.

إن وضع المجزرة في هذا السياق يتجاوز البحث عن النوايا المسبقة للمنفذين، ليركز على البيئة الهشة والمأزومة وقوى النفوذ والتأثير التي سمحت بوقوع الحدث، والتي يُراد استثمارها لتوجيه المجتمع نحو خيارات مرسومة سلفاً.

 

دروس من التاريخ

 

تُقدم لنا التجارب الإقليمية والدولية دروساً قاسية حول كيفية تحول الصدمات الإنسانية إلى كمائن سياسية المحتوى:

حرب البلقان: استثمرت النخب السياسية في التعبئة والتحريض المتبادل، مما أدى إلى دفع المجتمع نحو حرب أهلية شاملة وتفكك يوغسلافيا.

العراق: إعلاء شأن الهويات الطائفية والعرقية من خلال التفجيرات الإرهابية أدى إلى شرعنة الانقسام ومأسسته، وترسيخ نفوذ الميليشيا على حساب الدولة.

لبنان: الاستناد على الاغتيالات لاستمرار تقسيم المجتمع طائفياً، أدى إلى منع قيام أي مشروع وطني حقيقي، وبناء دولة حقيقية واستمرار منطق المحاصصة. 

 

 

الانزلاق نحو المستنقع

 

تتمتع السويداء بخصوصية ثقافية وتماسك مجتمعي لافت، ولكن هذا التماسك نفسه قد يتحول– تحت وطأة الشعور بالخطر الوجودي– إلى قوة دافعة نحو تبني خيارات دفاعية، قد تعيد إنتاج المأساة بطريقة أخرى.

وتكمن الخطورة الكبرى في محاولات استثمار جرح المجزرة للدفع باتجاه:

  • صناعة هويات سياسية هجينة تتغذى فقط على سردية "البحث عن الحماية".
  • مأسسة الانغلاق الداخلي وقطع وشائج الاتصال والامتداد الوطني السوري.
  • إنتاج سرديات صراعية قابلة للتوظيف والاستثمار من أطراف داخلية أو خارجية لا تكترث بمصالح أبناء المحافظة، والبلاد عموماً.

بهذا المعنى، يصبح الجرح الأخلاقي النازف مدخلاً لتشويه الفضاء السياسي، وبما يُعمق مأزق المجتمع المحلي والسوري على حد سواء.

خارطة طريق نحو مقاربة سياسية عقلانية

إن الاستجابات الأخلاقية العفوية، رغم مشروعيتها الإنسانية، لا يمكنها بناء أمن مستدام. وبناءً على ما تقدم، فإن الخروج من هذا المأزق يتطلب تبني استراتيجية عمل واعية ترتكز على أربعة محاور:

أولاً: تفكيك البنية التحتية والأمنية والاقتصادية التي سمحت بحدوث الاختراق، ومعالجة غياب الثقة بالمؤسسات بشكل جذري.

ثانياً: صياغة رؤية سياسية وطنية تدمج حدث السويداء في سياق الأزمة السورية العامة، وترفض حصرها في إطار محلي أو فئوي ضيق، كرامة أي سوري هي كرامة السوريين جميعاً. 

ثالثاً: قطع الطريق على أي محاولات لتوظيف الصدمة في مسارات متطرفة تؤدي إلى تعميق الاستقطاب المشوّه، أو استدعاء القوى الخارجية. 

رابعاً: حوارات أهلية ووطنية عقلانية تسقط منطق الثأر، فكل نزعة ثأرية هي نزعة عمياء تعيد إنتاج ثنائيات (القاتل والقتيل، نحن وهم) وتفقدنا القدرة على رؤية الحل المستقبلي.

إن مجزرة السويداء هي لحظة مفصلية تتجاوز في دلالاتها وجع اللحظة المباشر، لتطرح أسئلة مصيرية حول آليات إدارة الصراع في سورية. وتثبت مقارنتها بنماذج البلقان والعراق ولبنان أن العاطفة غير الموجهة برؤية استراتيجية قد تكون بداية لمنحدر أشد خطورة.

إن صون كرامة الضحايا وحماية المجتمع حقّ لا مساومة عليه، لكن المخرج الحقيقي يكمن في تغليب العقل البارد والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. والسويداء، بما تملكه من إرث ثقافي ووطني، قادرة على المساهمة في تصحيح مسار الأزمة السورية، شريطة ألا تسمح بتحويل جراحها الأخلاقية إلى وقود في محركات الآخرين، وفي هذا السياق فإن الكرة في ملعب السلطة قبل الجميع، في معالجة مشكلة (الفخ الذي وقع فيه الجميع) كما وصفت الحدث في حينه، وضمن مقاربة شاملة لعموم الأزمة السورية تتجنب الاستئثار بالحكم والقرار، والتعامي عن الفظائع، ومشاركة كل السوريين بتقرير مصيرهم.

 

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
1286