محرر الشؤون العمالية
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ما زالت قضية المرأة العاملة السورية من القضايا الأساسية التي يجري الاهتمام والحديث عنها، وتتعدد الجهات المشاركة في هذا، فلكل جهة تشخيص مختلف عن الآخر، وعلاج مختلف أيضاً، ولعل أخطر تلك الطروحات هو ما تتاجر به المنظمات الدولية وفروعها المحلية بقضية المرأة بشكل عام، والتي تتآزر مع عدد كبير من الاتجاهات السياسية الليبرالية بنفاقها المعهود الممتد لعقود خلت، في محاولة مستميتة لفصل قضية المرأة عن قضايا مجتمعها الاقتصادية الاجتماعية والوطنية والديمقراطية، لتفريغها من مضمونها، وحجب جوهرها، من خلال جعلها قضية شكلية يكون التناقض فيها بين المرأة والرجل، وليس بين المرأة والمجتمع كوحدة واحدة من جهة، وبين منظومات النهب والقمع المحلية والدولية، وإن أي تفسير للظلم الواقع على المرأة بعيداً عن ارتباطه بالتشكيلة الاقتصادية الاجتماعية السائدة، هو محاولة التعمية عن العدو الطبقي الجائر، وبالتالي عزل قضيتها عن غيرها من القضايا الذي لن يؤدي إلا لإضعافها، وبالتالي الفشل في تفسيرها، الذي يمنع حكماً تحقيق التغيير العادل لها.
نقتبس من الكلمة التي أدلى بها السيد فواز الأحمد رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال خلال مؤتمر نقابة الدولة والبلديات، الذي انعقد في دمشق بتاريخ 8 شباط الماضي «النقابة ليست مجرد مؤسسة تنظيمية، بل هي الناطق الرسمي باسم العمال والمدافع الأصيل عن حقوقهم ومصالحهم، وهي التي تعمل بلا كلل من أجل ترسيخ العدالة الاجتماعية، وجعلها الركيزة الأساسية في كل سياسة وخطة تُعنى بالشأن العمالي» و أضاف الأحمد «العدالة الاجتماعية ليست مجرد شعار يُكتب، بل هو مبدأ حيوي نحياه يومياً من خلال الدفاع عن حقوق العمال، والسعي الدؤوب لتحسن ظروفهم المعيشية والمهنية، وإن عدالة الأجور ليست مجرد مطلب عمالي، بل هي دعامة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وأساس للثقة بين طرفي الإنتاج» انتهى الاقتباس.
رغم عدم شمولية المطالب التي وردت في مداخلات العمال خلال المؤتمرات النقابية، وغياب عدة نقاط أساسية عنها إلا أنها ما زالت أعلى سقفاً مما يرد في تصريحات ومداخلات القيادة النقابية في دلالة على تبني القيادة لمهمة كبح وفلترة الضغوطات والمطالب الصاعدة من تحت لفوق، والأمثلة على ذلك كثيرة فحين يطالب العمال بتشغيل معاملهم وتأمين أدوات ومستلزمات الإنتاج تكتفي القيادة النقابية بالتشجيع على الاستثمار لتنشيط المعامل مع ضمان حقوق العمال وحمايتهم. فالحلول العمالية كانت وما زالت تقتصر على دعم المنشأة وتجهيزها وتصفية الفساد المالي والإداري والقانوني الذي نخر عظامها و سرع موتها، متمسكين بذلك المنطق الثابت ليس بمعاملهم ولقمة عيشهم وحسب، بل بنهج اقتصادي يعلمون تماماً أهميته، فهم مصرون على دور القطاع العام الإنتاجي والخدمي وأهمية وجودهما وتطورهما، خاصة بالصناعات النسيجية والكيماوية والدوائية والزراعية وقطاع البناء والإسمنت، إضافة لقطاع الصحة والنقل وغيرها، وهذا الدفاع المستمر عن القطاع العام لم يأتِ من فراغ أبداً بل من خلال تجربة طويلة مع جملة من السياسات الاقتصادية التي أوصلت القطاع العام إلى ما هو عليه من ضعف وترهل وضياع، خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة، دفعت البلاد والطبقات الاجتماعية الضعيفة بها ثمناً باهظاً له ومع سقوط سلطة النظام البائد تنفس العمال الصعداء، وظنوا بأن سقوط السلطة سيسقط معها الخصخصة وقانون التشاركية وعقود BOT لكن وبقدرة قادر بقيت تلك الأدوات المدمرة للقطاع العام حية ترزق، وهذا ما يدل على أن حواملها ما زالت قائمة وقادرة على فرض إرادتها على مسار الاقتصاد الوطني وبالتالي الاجتماعي.
شهدت المحافظات السورية خلال الأسبوع الماضي انعقاد مؤتمرات نقابات العمال، والتي ستستمر حتى انتهاء أعمالها خلال الشهر الجاري. وجرى خلالها عرض التقارير المقدمة للمؤتمر، ومداخلات اتحادات المحافظة والاتحاد العام، ومداخلات بعض أعضاء المؤتمر من الأخوات والإخوة العمال. كما جرت عمليات الترميم التي لم تختلف عن النهج الذي اتبعته القيادة النقابية في إجراءاتها السابقة - وبعيداً عن رأينا في النهج المتبع ونتائجه، والذي سنفرد له مساحة نقاش لاحق وعميق.
ابتداءً من الاثنين، 8 شباط 2026، تنعقد المؤتمرات النقابية بأغلب المحافظات السورية، وتكتسب بهذا التوقيت أهميةً بالغةً بالنسبة للنقابيين والمهتمين والمعنيين بشؤون الطبقة العاملة والعمل النقابي. وجوهر هذا الاهتمام لا ينبع من آمالهم بنتائج كبيرة أو حتى صغيرة، فالقاصي والداني يعلم تماماً أن توقع نتائج محورية ومؤثرة من هذا النوع ضربٌ من الخيال لا يعكس الواقع الحالي للطبقة العاملة والتنظيم النقابي. فمن أين تأتي تلك الأهمية إذاً؟ لطالما اعتبرت القوى المعنية بالطبقة العاملة أن المؤتمرات النقابية أحد أهم مؤشرات تحديد منسوب القوى الحية داخل المنظمة، والذي على أساسها يتم تحديد حجم ومستوى وتأثير هذه القوى على بقاء التنظيم النقابي حياً وفاعلاً لدرجة ما، قادر على استمراره ككيان يحمل عناصر بقائه بداخله.
مع صدور العدد تكون «انتخابات اللجان النقابية» قد انتهت، ومن الواضح بأننا وضعنا مصطلح الانتخابات بين قوسين عن عمد؛ كونه مجرد عنوان لا أكثر، فما حصل على أرض الواقع حقاً مجرد تعيينات وترميمات وتركيب قوائم افتقدت لجملة المعايير القانونية والحقوقية والديمقراطية، والتمثيل العمالي الحقيقي الذي يضمن إلى حد ما تمثيلاً ديمقراطياً للتجمعات العمالية المنتشرة على مساحة البلاد.
لعل الجميع مدرك لحجم الكارثة التي تعيشها الطبقة العاملة إلّا الحكومة الحالية، ولا نحتاج لأدلة كثيرة على ذلك، بل يكفي أن نتابع نشاط الحكومة وقراراتها وإجراءاتها لتبين ذلك، سواء تلك السياسات الاقتصادية الاجتماعية بعيدة الأجل، والتي تأخذ بعداً استراتيجياً لا يتعدى شعارات ووعوداً ومذكرات تفاهم، أو تلك السياسات والإجراءات الحكومية اليومية التي نعيشها يوماً بيوم، والتي في جلّها تغلق الأفق أمام الطبقة العاملة، وتقتل بشكل تدريجي ذلك الأمل الذي عاشته بعد التخلص من سلطة الأسد. وسيخرج من يطلب من العمال والكادحين الصبر وطول البال، فالتركة ثقيلة والمهام عظيمة والبناء أصعب من الهدم، وغيرها من المطالب التي قد تبدو منطقية لو أنها أعطت مؤشرات أولية واضحة تبشّر بالآتي المنتظر، أمّا أن تكون المقدّمات التي يراها ويعيشها العمال هي هذا الواقع اليومي، فيصبح الكلام عن الانتظار والصبر مجرد كلام تسويفي لا يصلح حتى للتخدير.
صرح الاتحاد العام لنقابات العمال على لسان رئيسه المؤقت، خلال «الملتقى الأول لمؤسسات المجتمع المحلي» الذي عقد في محافظة دير الزور، بأن النقابات العمالية لم تعد في موقع الهامش، بل تحولت إلى شراكة فعلية في خدمة العمال والفلاحين، وإعداد الكوادر الشابة، مسلطاً الضوء على التطور الذي شهده الدور النقابي، مقارنة بما كان عليه في عهد النظام البائد، ومن الطبيعي أن نتوقف عند هذا التصريح الذي أوردته صفحة صوت عمالي التابعة للمكتب التنفيذي في الاتحاد العام، كونه بعيد كل البعد عن الواقع الملموس، إلا أن المقصود بالدور النقابي كان غير ما عرفناه نظرياً وعملياً خلال قرن من التاريخ النقابي، فالواقع الحالي المعاش يقول غير ذلك تماماً، وبأن المرحلة الراهنة بنتائجها ما هي إلا استمراراً لنتائج مرحلة السلطة البائدة، وما زال الخط البياني للمنظمة العمالية في هبوط مستمر من جميع النواحي، فلا الطبقة العاملة اليوم في القطاعين العام والخاص أحسن حالاً، ولا التنظيم النقابي أعلى دوراً وأكثر مسؤولية وأثقل وزناً، فعن أي تطوّر يتم الحديث؟
تتمسك الطبقة العاملة بدور أساسي وقوي للدولة في الحياة الاقتصادية الاجتماعية، بكل ما تعنيه من جوانب وأدوار. وبغض النظر عن الأنظمة التي تحكم أو السلطات التي تسيّر أعمال الدولة، يرفض العمال أن تصاب الدولة بالضعف أو التخلّي عن دورها الرعائي. وهذا التمسك ليس وليد اليوم أو المرحلة، بل هو وعي وطني وطبقي تناقلته الأجيال، ليس عبر الإرث الثقافي أو النضالي فحسب، بل عبر الواقع وضروراته بما يحمله من تجارب وعِبَر.