عرض العناصر حسب علامة : الأزمة السورية

إفتتاحية قاسيون العدد 565: الشعب يريد إسقاط السلاح

بدأ الحراك سلمياً، ورفع شعاراته التي تؤكد على الوعي بالمطالب الحقيقية للشعب السوري، وحقه في التغيير الوطني الشامل، ولكنه جوبه منذ البداية بالقمع وتم التعاطي معه  بمنطق يخالف حاجات الواقع الموضوعي وضروراته، الأمر الذي فسح المجال لقوى المعارضة اللاوطنية والحاملة للمشروع الامبريالي الرجعي العربي، والمقاتلة نيابة عنه، التي رأت في الظرف الناشىء ضالتها، لتبدأ العمل باتجاه ركوب موجة الحراك، وتأخذه باتجاه آخر بعيد عن مساراته الأولى، و أهدافه التي خرج من أجلها، محملةً الحراك شعاراتها المتطرفة دافعة أقساماً منه نحو العنف المضاد ليأخذ منحى خطيراً بات يهدد ليس الحركة الشعبية وسلميتها فقط، بل  يهدد الوطن برمته أرضاً وشعباً. 

حلب ليست كسواها.. حتى في أزماتها

حلب ليست كأخواتها من المحافظات السورية حتى في أزماتها، فما انطبق على أغلب المناطق في سورية لم يكن ليشابه ما تعيشه وتعايشه الآن، إلا في العنوان العريض فقط، وما نريد قوله لا يرتبط بالشق الأمني، وإنما بالأزمات الاقتصادية التي يعشها سكانها هذه الايام، فللغاز سعران، الأول مرتبط بما قبل الأزمة التي تمتد لأكثر لأسبوعين إلى الوراء، حيث تباع الجرة في السوق السوداء بما يتراوح بين 1500 و3000 ليرة سورية، أما حالياً، فإن سعرها وصل إلى 6 آلاف ليرة، وهي غير متوفرة إلا في السوق السوداء، وشبكات المنتفعين في ذروة عملهم، وإلى اليوم لم يجرِ اعتماد البطاقة التموينية عن طريق المؤسسة لتوزيع الاسطوانات، وعلى حسب أرقام الزيت في البطاقة مثلاً، مما فاقم الأزمة، ورفع من مستويات الفساد في عملية توزيع ما يتوفر من هذه المادة أساساً..

مهن جديدة من رحم الأزمة..

مع تسارع وتيرة الأزمة في البلاد وتزايد العنف والعنف المضاد، واستخدام جميع الأطراف لجميع أنواع الأسلحة التي لم تستثن منازل المدنيين في كثير من المدن والأرياف السورية، صار الدمار والخراب في الممتلكات الخاصة للمواطنين المهجرين هو السمة الأعم ومحور أحاديث الناس الأطول على مدار الأسابيع الماضية، فبعد استقرار حال بعض المدن والنواحي من الجانب الأمني في المناطق المدمرة جزئياً، تحول الدمار إلى مصدر لكسب الرزق لعدد كبير من العاطلين عن العمل ممن يقبعون تحت خط الفقر والذين كانوا يعتمدون في ما مضى على كسب قوت يومهم من «حاويات القمامة» من خلال البحث فيها عن الخردوات و المواد التي يمكن إعادة تصنيعها مثل (الألمنيوم، والنحاس، والبلاستيك، والورق المقوى) التي يمكن بيعها، 

العلاقة غير المتكافئة كانت تفترض التحول الاقتصادي مبكراً.. الاقتصاد الوطني وضع «رهينة» بيد الأوروبيين.. وجعل من النفط ثروة ضائعة!

لم تكن الدعوة إلى التحول في العلاقات الاقتصادية شرقاً بالمعنى السياسي، مجرد طرح يبحث عن تغير شكلي في العلاقات الاقتصادية، أو نتيجة مزاج مؤقت رافض للعلاقة مع الأوروبيين ومع الكتلة الاقتصادية الغربية، وإنما هي نتيجة جملة من الضرورات الاقتصادية، وخصوصية الاقتصاد الوطني، وهو ما طالبنا به مراراً، ومنذ أيام حكومة العطري، رافضين إعطاء الأولوية المطلقة للعلاقات الاقتصادية مع الأوروبيين الساعين لفرض شروطهم في التبادل الاقتصادي، وبما لا يخدم مصلحة الاقتصاد الوطني، مطالبين بتكوين علاقات اقتصادية مع الكتلة الاقتصادية للدول الصاعدة موازية للعلاقات مع الأوروبيين، وهذا ما كان يقابل بالرفض دوماً، فالتحول شرقاً في هذه الحالة، سيساهم في إخراج البلاد من الأزمة الاقتصادية التي يتحمل تبعاتها المواطن السوري من أصحاب الدخول المحدودة بالدرجة الأولى، من خلال سلسلة الأزمات التي تلاحقه في طريق تأمين مستلزمات حياته اليومية، وقد ينتج عن هذا التحول توازن أكبر في الميزان التجاري، وشروط أكثر عدالة في استخراج النفط السوري..

مساعدات مالية ومفارقة

قدم بنك الاستثمار الأوروبي قروضاً لسورية بمقدار 400 مليون يورو خلال 12 عاماً من 1992 - 2004 توقفت مع العقوبات الأوروبية على سورية تركزت هذه القروض في مجالي البنية التحتية والمجال الاجتماعي، مشروعين للرعاية الصحية والمياه، وقرض تطوير الإدارة البلدية للبلديات في سورية، قرض تمويل الصناعيين السوريين والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، يذكر من هذه القروض قرضين لمحطات توليد الكهرباء بالاعتماد على الغاز الطبيعي. بلغت هذه القروض ما يعادل 30 مليار ليرة أي تقريباً نصف مليون دولار خلال 12 سنة، الجزء الأهم منها لم يستكمل، وجزء آخر من هذه القروض هو رواتب وأجور الخبراء الأوروبيين العالية التكلفة، والأهم هو توقف كل هذا التمويل مع فرض العقوبات.

النظام، المعارضة.. إعادة تحديد!!

ارتبط الاستعمار كظاهرة تاريخية بالتشكيلات الاقتصادية الاجتماعية الطبقية، والاستعمار من حيث الشكل احتلال دولة لدولة أخرى، أو وضعها تحت الوصاية، أما مضمون العملية فهو تعبير عن العلاقات الرأسمالية غير المتكافئة بين الشعوب والدول، هذا العلاقات الناتجة عن تطور بعض الشعوب بأشكال ومضاميين مختلفة عن تطور شعوب أخرى، وهي تتطور من فترة زمانية إلى أخرى بحسب ظروف التطور الاجتماعية.

لا فرق بين الرايتين!

يعمل الإعلام على تقديم الإسلاميين والليبراليين في بلدان «الربيع العربي» كضدين يتنافسان ديمقراطياً على السلطة، في تكرار ممجوج للصورة الأمريكية المتهتكة عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، الحزبين اللذين يختلفان على جنس الملائكة ويتفقان على كل شيء خلافه!

الفساد والانشقاقات.. حلقة جديدة

استندت عملية إدارة الأزمة في كل مراحلها إلى أجهزة وآليات وشخوص لا تمتلك موضوعياً المقدرة على الحل، وشمل القصور بالأداء مستويات الأزمة السياسية والأمنية والإعلامية، وأثبتت الوقائع الجارية أن المشكلة الأساسية في منطق إدارة الأزمة هي محاولة حل أزمة غير تقليدية بأدوات تقليدية، وجهل أو تجاهل للأسباب التي أطلقتها، والتي ما انفكت تغذيها حتى يومنا هذا، ذلك أن معظم الأدوات التي يستخدمها النظام في محاولته حل الأزمة هي بحد ذاتها جزء من المشكلة وجل أدائها يصب في خندق قوى الفساد داخل النظام ومجلس إسطنبول على حد سواء، وذلك من زاوية استمرار الصراع المسلح بما قد يودي بسورية كدولة وكشعب..

السويداء «عودة المهجرين ضرورة وطنية »

«هم للسيف والضيف ولغدرات الزمان إنهم يقدمون المعروف ولا يضيع عندهم» بهذه الكلمات الموحية وصف الأديب مارون عبود أهالي  السويداء  وعودة على بدء و انطلاقاً من هذه التقاليد الوطنية في إغاثة المنكوب و إكرام الضيف لدى المواطنين في محافظة السويداء إحدى مكونات النسيج الوطني السوري استقبلت السويداء أعداداً كبيرة من المهجرين السوريين إليها أخوة التراب والمصير الذين هجروا من مناطقهم بفعل الاشتباك الداخلي وارتفاع منسوب الدم السوري وعدم الاقتناع بضرورة الحل السياسي الشامل الذي يوقف نزيف الدماء السورية والعنف والعنف المضاد والاستقواء على الشعب السوري المهجر على وقع الإصرار على الحل الأمني العسكري وأسلمة الحراك الشعبي السلمي من قبل قوى التشدد والفساد في النظام والمعارضة التي تهدف إلى تعطيل وإفشال التغيير الديمقراطي السلمي الشامل والجذري في البلاد الذي بات ضرورة موضوعية لا يجوز القفز فوقها بأنصاف الحلول وبالإجراءات الترقيعية والتجميلية التي يدفع فاتورتها وضريبتها الشعب السوري بأكمله .

نقد الحراك من موقع الدفاع عنه

إنّ الحرص على الحراك الشعبي يتطلب بالضرورة نقده, والإضاءة على أخطائه التي هي أمر طبيعي موضوعياً لأنّه كتعبير عن المجتمع يحمل كلّ ما في هذا المجتمع من خصائص تاريخية موروثة بحسناتها وسيئاتها, ويختلط كثيراً ما هو تقدمي مع ما هو رجعي. وبالتالي لا بدّ من أي ناقد تقدمي أن يواجه أبناء الحركة الشعبية ويناقشهم بصراحة وشجاعة من باب الحس العالي بالمسؤولية, الأمر الذي يصبّ في خدمة الحراك. وما النتائج الضارة على الحراك السلمي وعلى أهدافه المشروعة والتي ظهرت بسبب توريطه بالتطرف والتسلح.. إلا دليل على صحة هذا الموقف, وعلى خطورة «الإرهاب الإعلامي» والتخوين والإقصاء الذي مارسه المتشددون ضدّ كلّ نقد بنّاء لأخطاء الحراك واعتباره اصطفافاً مع النظام.