الحركة الشعبية.. دروس الماضي واستنتاجات المستقبل (2)
هذه المادة هي استكمال لافتتاحية العدد الماضي من قاسيون ذي الرقم 1134 «الحركة الشعبية ستعود عاجلاً أم آجلاً»، وهي حلقة ضمن سلسلة مقالات ستتبعها.
هذه المادة هي استكمال لافتتاحية العدد الماضي من قاسيون ذي الرقم 1134 «الحركة الشعبية ستعود عاجلاً أم آجلاً»، وهي حلقة ضمن سلسلة مقالات ستتبعها.
تواصل قوى متعددة، من المتشددين ضمن النظام، ونظرائهم ضمن المعارضة، محاولاتها لاستباق وإجهاض احتمالات طورٍ جديد من الحركة الشعبية. يجري ذلك بطرق متعددة أبرزها هي تلك التي تكرر القديم على أنه جديد؛ بكلامٍ أوضح، فإنّ أبرزها هي الدفع نحو تكرار الأشكال نفسها من الحراك السابق، وبالشعارات نفسها وطرق العمل نفسها، وخاصة منها المنعزلة عن الناس وذات الطابع المغامر، وضمناً الحديث مرة جديدة عن «عسكر منشق» وما شابه.
لسان حال الأغلبية من السوريين، ونتيجة المعاناة والجور والظلم والتدهور المستمر على كل الصعد، هي أنه «لم يعد هنالك أسوأ مما يجري». لهذه المقولة جانبان متلازمان يعبران عن الاحتمالين الكامنين ضمنها؛ الأول إيجابي يعبر عن استعداد وتأهب للانخراط في العمل من أجل التغيير، للانخراط في نشاط سياسي واسع بأشكاله المختلفة للوصول إلى التغيير. الثاني سلبي يعبر عن اليأس أكثر مما يعبر عن الأمل، وهذا خطير لأنّه يعني إما الانكفاء وعدم الانخراط في أي نشاط تغييري، أو الاندفاع بشكل يائس وغير مدروس...
الاندفاع اليائس غير المدروس هو ما يجري الدفع له بشكل مفضوح من جانب متشددين في النظام والمعارضة، وخاصة من شخصيات ظهرت فجأة وتم وضعها تحت مركز الضوء الإعلامي. الغرض واضح وهو محاولة استباق الحركة الشعبية التي تختمر ظروفها من جديد بشكل متسارع؛ استباقها عبر دفعها إلى الشوارع بشكل غير منظم وغير مدروس وعبر أعداد قليلة من الشبان المتحمسين، والهدف هو أن يجري كسر ظهرها مبكراً وقبل أن تكبر حتى تجري «تربية البقية» عبر الضربات الأولى. في إطار استباق الحركة أيضاً، فإنّ عدداً كبيراً من «المعارضين الطارئين»، لا يحاولون الدخول في صفوفها فقط، بل يسعون إلى التحول إلى مركز قيادتها وتوجيهها، بغرض الاستكشاف المسبق لها تمهيداً لتطويقها وإنهائها، أو لتحويلها مرة جديدة إلى مطية لتجديد العنف والحرب... والهدف بكل الأحوال هو بالحد الأدنى منع التغيير، وبالحد الأعلى إنهاء سورية بشكل كامل.
أمام هذين الجانبين/الاحتمالين، ورغم القهر الذي يعيشه الناس، إلا أنها تظهر قدراً من الوعي يدل على إحساسها السليم الذي اكتسبته من التجربة المرة ودفعت ثمنه عذابات كبرى؛ فمن جهة تعلم الناس أنّ التحرك ضرورة لأنّه لا مجال للتغيير نحو الأفضل إنْ تركت الأمور لمن يتحكمون بها في النظام وفي المعارضة، بل ولا يمكن أن يتوقع المرء من المتحكمين سوى المزيد من الخراب والتدهور. ولكن في الوقت نفسه، وبالاستفادة من التجارب السابقة، تسعى الناس لدراسة خياراتها ولاختيار أشكال تحركها، فلا تحصر نفسها بشكل محدد، التظاهر مثلاً، بل تبحث عن أشكال إبداعية متعددة للنشاط، وتبحث عن تدرج مناسب له، بحيث تتجنب الوقوع في الأفخاخ المنصوبة لها من الداخل ومن الخارج...
تسود الشارع السوري حالة من الغليان المصحوب بالترقب الحذر؛ فالوضع المعيشي للناس وصل حدوداً لا تطاق. وفوقها فإنّ عمليات رفع الدعم وانسحاب الدولة من أداء أي دور اجتماعي جارية على قدم وساق، بل وشهدت نقلة جديدة إلى الأمام بعد ما جرى في مجلس الشعب مؤخراً حيث شهدت عمليات الرفع الرسمي للأسعار موجة جديدة شاملة بينما الأجور الهزيلة على حالها.
بوحيٍ من المستجدات الدولية والإقليمية، يتسرّع البعض في الوصول إلى استنتاجٍ مفاده أنّ الشعوب العربية قد هُزمت، وأنّ الأنظمة قد انتصرت. وأبعد من ذلك، قلْ: إنّ الشعوب على العموم قد هزمت (لأنّ الحراكات الشعبية لم تكن محصورة بالعالم العربي) وأن الأنظمة قد انتصرت.
بدأت تتصلّب بالتدريج سكة القوى الثورية على مدار ثلاثة عقود تقريباً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لتدخل من بعدها مرحلة خطيرة بتبدلاتها في عقد الثمانينات، والتسعينات، إلى أن وصلت لذروتها تقريباً عند دخول الحراك الشعبي العالمي في مستوى جديد مع مطلع عام 2000، والانتفاضة الفلسطينية الثانية كانت أول المؤشرات، وعلى إثر ذلك توضحت معاناة القوى الثورية من آلام الصَّدأ على سكتها، ومخاوف دخولها في أيّة لحظة إلى المتحف.
اتصل بي منذ بضعة أيام أحد الأصدقاء ممن يتابعون قاسيون بشكلٍ مستمر، ليناقش معي ما قالته افتتاحية العدد الماضي رقم 1094، والتي كانت بعنوان «الحركة الشعبية تصعد والنخب تنحط».
«هذا الانفجار ليس سورياً بحتاً وليس عربياً بحتاً؛ الجماهير في كل العالم استفاقت ونزلت إلى الشارع، نحن إذا كنا جادين وأردنا أن نتعامل مع الوقائع كما هي، فيجب أن نفهم أن الشعوب استفاقت ونزلت إلى الشارع، وهذه الحركة مستمرة لعقود قادمة..».
لا يمكن للديمقراطية في إفريقيا أن تتحقق عبر النخب السياسية. ستتحقق الديمقراطية من الأسفل، من الشوارع وعبر تحشد الحركات الشعبوية وتنظيمها. نسمع اليوم في الإعلام السائد الكثير من الأحاديث عن «التراجع الديمقراطي» عبر الكوكب، حيث يتأسف المعلقون الليبراليون على تصاعد «الشعبوية» ويتهمونها مع قادتها بتهديد قواعد القانون. ومن أشهر الناطقين باسم الليبرالية الغربية بهذا السياق منظمة «موطن الحريات» التي أعلنت في تقريرها عام 2019 المعنون «الديمقراطية في تراجع». وفي موجة القلق المتزايد إزاء ما يسمّونه «الفترات الثالثة»، قامت المنصة الرأسمالية الشهيرة «مجلس العلاقات الخارجية» بانتقاد ما سمته «العدوى المنتشرة من بروندي إلى أوغندا إلى الكاميرون... حيث يرفض الكثير من القادة الأفارقة حدود الفترة والسن في مدّة استلامهم للسلطة، ويعدلون الدساتير لتلائم سلطتهم إن كان ضرورياً».
«الحراك الشعبي هو ظاهرة موضوعية إيجابية تعبر في العمق عن حاجات المجتمع ومتطلباته، وهو ما كانَ ليظهر بهذه الحدة أحياناً لولا التأخر والتقصير والمكابرة بالاعتراف بحجم المشكلات المتراكمة».