النخب السورية: صراع في الداخل ومحاباة الخارج
رمزي السالم رمزي السالم

النخب السورية: صراع في الداخل ومحاباة الخارج

ينطوي المشهد السوري الراهن على مفارقتين، تعكسان بُعدَيْ الأزمة السورية من حيث كونها أزمة داخلية سورية، وجزءاً من صراع دولي في الوقت ذاته...

أولاً:


في المشهد السوري الراهن تبرز مفارقة لافتة تكاد تختصر أزمة النخب قبل أزمة البلد نفسها. صراع حاد، تخوين متبادل، انقسامات أيديولوجية وسياسية عميقة، اختلاف على الرواية، وعلى الأولويات، وعلى تعريف العدو والصديق. نخب لا تكاد تتفق على توصيف الواقع، ولا على قراءة الماضي، ولا حتى على شكل الدولة المنشودة في المستقبل. ومع ذلك، وسط هذا الضجيج كله، يلتقي الجميع تقريبًا عند نقطة واحدة؛ الرهان على الأمريكي، والسعي إلى إرضائه أمام كل مأزق يدخل فيه طرف من الأطراف.
هذه المفارقة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل كاشفة. فكيف يمكن لنخب تختلف في كل شيء أن تتوحد عمليًا على انتظار الخارج؟ وكيف يتحول (الفاعل الدولي) إلى قاسم مشترك أعظم بين مشاريع متناقضة ظاهريًا؟ الأمريكي هنا ليس مجرد دولة، بل اختصاراً لعقلية سياسية كاملة؛ تعليق الحلول، تأجيل المسؤولية، والبحث الدائم عن قوة خارجية تحسم ما عجزنا عن حسمه داخليًا.
الأخطر أن هذا الرهان يُقدَّم أحيانًا بلغة تبدو واقعية أو براغماتية، بينما هو في جوهره اعتراف ضمني بفشل النخب في إنتاج مشروع وطني مستقل. وفي ميزان القوى القلق، فالخلاف الحقيقي ليس بين هذه النخب فقط، بل بينها وبين فكرة الاعتماد على الذات، وهكذا، نختلف في كل شيء؛ في الشعارات، في التحالفات، في الخطاب... لكننا نتفق بصمت على انتظار إشارة من واشنطن. وهذه، بحد ذاتها، دلالة على عقم كل هذا الفضاء السياسي. فكيف يمكن أن يتفق من يريد الانفصال مع من يريد الاستئثار بالحكم وإخضاع الكل في توجيه الشكر إلى الأمريكي على دعمه.
إما أن هذه النخب من أولها إلى آخرها عمياء، او أنها تنافق تحت ستار الدفاع عن جماعتها.


ثانياً:


في مقاربتها للملف السوري، لا تتعامل الولايات المتحدة مع الأزمة بوصفها مسارًا سياسيًا متكاملًا بقدر ما تديرها كحالة مزمنة قابلة للاحتواء. تقوم هذه المقاربة على ما يمكن وصفه بسياسة العصا والجزرة، حيث تُوزَّع الأدوار والخطابات بعناية، ويُمنح كل طرف ما يكفي لإبقائه داخل اللعبة، لا ما يكفي لحسمها. في هذا السياق، يصبح التناقض أداة عمل لا خللًا في السياسة.
تُقدَّم شخصيات وسلطات متعارضة بصيغ متباينة تخدم الهدف ذاته. فالسلطة (أثبتت شجاعتها) أو عنصر استقرار لا يمكن تجاوزه، وسنساعدها في (بناء سورية مزدهرة)!! في الوقت الذي تُمنَح فيه «قسد» صفة الشريك الضروري في محاربة الإرهاب، بما يبرر استمرار الدعم العسكري والسياسي لها. في المقابل، يُعاد إنتاج خطاب حماية الأقليات، حيث يُصوَّر العلويون والدروز كجماعات مضطهدة تحتاج إلى رعاية وضمانات، دون أن يُترجم ذلك إلى مسار وطني جامع أو حل جذري لمشكلة الدولة المنهارة.
هذا التوزيع المتناقض للأوصاف ليس ارتجالًا، بل جزءاً من محاولة واعية لاحتواء جميع النقائض ضمن إطار إدارة الأزمة، لا حلّها. فواشنطن تسعى إلى الإمساك بكل الخيوط؛ خيط الأمن ومكافحة الإرهاب، خيط الأقليات، خيط التوازن الإقليمي، وخيط منع الخصوم من تحقيق نصر كامل. في هذا النموذج، لا يُسمح لأي طرف بالانهيار الكامل، كما لا يُسمح لأي طرف بالانتصار النهائي. الجميع يبقى في حالة اعتماد جزئي على القرار الأمريكي، والجميع قابل للاستخدام أو الضغط متى اقتضت المصلحة.
غير أن هذه السياسة، وإن بدت فعّالة على المدى القصير، تحمل في داخلها بذور فشلها. فمح
اولة الجمع الدائم بين المتناقضات دون أفق سياسي واضح تؤدي حتمًا إلى لحظة انفجار. عند هذه اللحظة، سيُدفَع طرف أو أكثر إلى موقع كبش الفداء؛ طرف يُحمَّل مسؤولية الفشل، أو يُضحّى به لإعادة ضبط التوازنات، أو لفتح صفحة تفاوض جديدة بشروط مختلفة.
حينها، لا تكون النتيجة حلًّا، بل إعادة إنتاج للأزمة. تُعاد تدوير الأسباب نفسها، وتُستنسخ الانقسامات ذاتها، ويعود المشهد إلى نقطة الصفر-لتكون سورية بكل ما فيها كبش فداء على مذبح المشاريع الدولية- مع تغيير في الأسماء لا في البنية. وهكذا، تتحول سورية من قضية سياسية قابلة للحل إلى ملف مُدار بلا نهاية، تُستثمر مأساته لتحقيق مصالح واشنطن ليس في سورية فحسب بل كمركز لإدارة أزمة إقليم شرق المتوسط كاملاً، بينما يُترك السوريون عالقين في حلقة مفرغة من الانتظار، والوعود، والانكسارات المتكررة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1260