محاباة الأغنياء تنتج الفوضى!
الرؤية الأولية للوضع السوري تبين أن الفوضى هي السمة العامة، فتتنوع ظواهرها الاجتماعية، من أشدها كالمواجهات المسلحة في شوارع وأحياء مدننا الرئيسية، إلى أهونها وهي كميات القمامة المتروكة أيضاً في شوارع وأحياء المدن..
الرؤية الأولية للوضع السوري تبين أن الفوضى هي السمة العامة، فتتنوع ظواهرها الاجتماعية، من أشدها كالمواجهات المسلحة في شوارع وأحياء مدننا الرئيسية، إلى أهونها وهي كميات القمامة المتروكة أيضاً في شوارع وأحياء المدن..
نشأ جهاز الدولة تاريخياً كأداة ملازمة للمجتمع الطبقي، فرضتها ضرورة إدارة مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة بطريقة تتناسب مع قواها النسبية في المجتمع، ولمّا كانت طبقة واحدة هي الأقوى عادةً بحكم امتلاكها لوسائل الإنتاج الاقتصادي، سواءً كانت هذه الطبقة أقلية عددية مستغلّة، كما في جميع التشكيلات الطبقية غير الاشتراكية، أو تمثل أكثرية المجتمع، في التشكيلة الطبقية الاشتراكية، فإنّها لن تستطيع الاستمرار في السيطرة الاقتصادية دون امتلاك زمام السيطرة السياسية عبر استخدام جملة أدوات تلجم بوساطتها بشكل مستمر مقاومة الطبقات الأخرى، أو تحصر قواها بمسارات واتجاهات تجعلها على الأقل حياديّة، إذا لم تستطع تسخيرها لخدمتها. سنحاول في هذه المادة البحث في المستجدات على جهاز الدولة في سورية، وما هي مصائره؟
عمد عرابو التسلح في إطار تنظيرهم لهذه الظاهرة إلى الإدعاء بأنها نشأت حمايةً للمدنيين وللمظاهرات السلمية، وامتثل الكثير من المسلحين العفويين لهذا المنطق وعملوا صادقين دون تلك الغاية، غير مدركين أنهم بذلك فقدوا ورقة الضغط الحقيقية، ورقة السلمية، وأنهم تحولوا إلى أدوات مجبرة على تنفيذ هذه الأجندة أو تلك، وبفضل هؤلاء اقتنعت أوساط واسعة من المعارضة الشعبية بهذه الحدود الوهمية بين المظاهرة «السلمية» وبين السلاح الذي «يحميها»..
تناول اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي عُقد في الدوحة مؤخراً، تطورات الوضع في سورية، خاصة بعد الانفجار الذي وقع في مبنى الأمن القومي بدمشق وأسفر عن مقتل بعض القادة العسكريين والأمنيين فيها، وخلُص الاجتماع إلى عدة بنود أهمها تأمين ممر آمن للرئيس وعائلته مقابل تسليم السلطة وتشكيل حكومة انتقالية ..
تتكشف عيوب تآكل جهاز الدولة أكثر فأكثر في كل مرحلة من مراحل الأزمة السورية، فالستار الذي كان يمنع مراقبة آلية عمل جهاز الدولة بدأ بالزوال التدريجي منذ بداية الأزمة عملياً، وأصبح مستوى انتقاد الجماهير الواسعة لأداء ذلك الجهاز أكبر بكثير، ليس من جانب جمهور المعارضة فقط، بل أيضا من جانب جمهور الموالاة، ولاسيما أن الأزمة أضافت ملفات جديدة تنتظر الحل على عاتق هذا جهاز فوق التركة السابقة من الملفات التي كانت قد أظهرت الأزمة على السطح..
يجادل الكثيرون في تقييم موقف الجامعة العربية حيال الأزمة السورية، لكن وبغض النظر عن التجاذبات حيال موقف هذه المؤسسة لابد من تقييم دورها في الأزمة الراهنة انطلاقا من دورها التاريخي كمعبر عن محصلة أداء النظام الرسمي العربي. إن الانطلاق من هذه النقطة يكفي لنيقن أن أي دور للجامعة العربي هو دور سلبي بامتياز على أي شعب عربي وفي أي قضية كانت، كان مفحما ما قاله محمود درويش عام 1987: ( اليوم يجتمع الملوك بكل أنواع الملوك من العقيد إلى الشهيد ليبحثو خطر اليهود على وجود الله !).
إن برنامج وممارسة أية قوة سياسية لا بد أن تتناول وتشمل ثلاث قضايا أساسية مترابطة ومتداخلة هي القضية الاقتصادية- الاجتماعية بما تعنيه من مجموع الرؤى والممارسات التي تتناول كيفية معالجة المشاكل الاقتصادية للبلد المعني ولمصلحة أي من القوى الاجتماعية، قضية شكل النظام السياسي بما يعنيه كيفية ضبط علاقة الجماهير والأحزاب وجهاز الدولة بعضها ببعض، وأخيرا قضية السياسات الخارجية المتمثلة بطابع التحالفات السياسية على الصعيد الدولي و الإقليمي. المشكلة الأساسية التي تُتلمس بواقع العمل السياسي هي عدم تناسق و تناقض الممارسات والمواقف المتبناة والمتبعة بين هذه القضايا الثلاث. إن غياب هذا الاتساق والتناقض عند قوة سياسية ما يعزى إما إلى بنيتها و تركيبتها الاجتماعية المتناقضة، أو إلى قصور بوعي ترابط هذه المسائل الثلاث وشكل الترابط الملموس الذي يحقق مصالح الجماهير التي تمثلها القوة المعنية. بالإضافة إلى أن هذا التناقض بالموقف والخطاب قد يعزى، عند بعض القوى التي لم تدخل حيز التجريب منالجماهير، لأسباب ذرائعية (ديماغوجية)، إذ تعمد الكثير من القوى السياسية إلى تزيين خطابها و برامجها اليمينية بشعارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
من المعروف تاريخياً أن الراسمالية دائماً تحاول حل أزماتها عبر الحروب وعلى حساب الشعوب لإعادة اقتسام مناطق النفوذ والأسواق.. وهذه الحروب هي بين المراكز الرأسمالية ذاتها. كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية ولا يهمها نتائجها الكارثية علىالشعوب.
قاسيون: ما سبب زيارتكم وعملكم في الملف السوري؟
إن السبب الرئيسي لمجيئي إلى هنا هو العمل على منع تقسيم سورية، فإذا تم تقسيم سورية سينتقل التقسيم إلى تركيا، وبالإضافة إلى ذلك فإن لدي خطة للخروج من الأزمة السورية. وقد سبق وتحدثت مع أحد ممثلي السلك الدبلوماسي وقلت له العبارة التالية: «لو لم نربط (شواطات) أحذية أمريكا وأوربا ببعضها البعض لكانوا توجهوا إلى سورية بعد انتهائهم من ليبيا».. لقد ربطناهم مع بعضهم فلم يعد بإمكانهم التحرك إلاّ سويةً، لذلك لم يتمكنوا حتى الآن من القيام بأية عملية عسكرية في سورية، وهم مضطرون الآن لاتباع الأسلوب الديبلوماسي في التعامل مع الملف السوري، وهذا إيجابي.
تصل المعركة التي تشن على سورية بالأدوات المختلفة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في هذه الأيام إلى واحدة من ذراها الأخيرة ما قبل الحوار وانطلاق الحل السياسي.