لماذا امتد اضراب عمال زنوبيا لمعامل أخرى ولماذا تعاطف الشعب السوري معه؟
إلياس زيتون إلياس زيتون

لماذا امتد اضراب عمال زنوبيا لمعامل أخرى ولماذا تعاطف الشعب السوري معه؟

ما إنْ أعلن عمال معامل شركة زنوبيا عن إضرابهم الأخير حتى بدأ النشاط العمالي في القطاع الخاص يرتفع تدريجياً، مع اختلاف أشكال هذا النشاط. فبعضها اتخذ شكل مطالبات شفهية أو خطية للإدارات تتضمن حزمة من المطالب، وعلى رأسها زيادة الأجور والتعويض المعيشي والإجراءات الصحية. وبعضها الآخر اتخذ شكلاً آخر تمثل بتشكيل لجنة من العمال مهمتها مقابلة الإدارة ووضعها في صورة الظروف المعيشية والمهنية للعمال، ومحاولة دفع الإدارة لإقرار زيادة الأجور أو التعويض المعيشي للتخفيف من الضغط المعيشي الراهن.

في حين اكتفت بعض التجمعات بالحديث المبطّن عن رجولة إضراب زنوبيا وتنظيمه العالي، وإطلاق الأمنيات بنجاحه، وكان هذا كفيلاً بدفع الإدارة للقيام ببعض الإجراءات السريعة والمباشرة المالية أو العينية الداعمة، لاستشعارها المبكر لهذا النشاط الذي لا بد له من أخذ أشكال أخرى في حال لم تتجاوب معه. أما في معمل مدار للمنظفات مثلاً، فقد سار النشاط باتجاه الإضراب في اليوم التالي دون تأخير، ويرجع سبب ذلك أن المطالبات كانت قد بدأت فعلاً قبل عدة أشهر دون نتائج ملموسة، وكانت نوايا الإضراب موجودة أصلاً، ولكن انطلاق إضراب عمال زنوبيا سرّع العملية وشجّع المنظمين على قرار الإضراب، وهذا ما حصل. وبعيداً عن تفاصيل الإضرابات والتحركات السابقة واللاحقة ونتائجها، والتي تناولناها في مواد إعلامية عديدة، يقفز السؤال الأول إلى الواجهة: لماذا كان لإضراب عمال زنوبيا هذا التأثير المباشر في تجمعات عمالية كبيرة ومتوسطة أخرى، بعضها وصل إلى الإعلام وأكثرها لم يصل؟ ولماذا تعاطفت أغلبية السوريين معه؟
للإجابة عن السؤال، لا بد من تثبيت بعض الأفكار: أولها أن الظروف القاهرة التي يعيشها عمال شركة زنوبيا هي نفسها التي يمر بها سائر عمال القطاع الخاص إلا القلة القليلة التي لا تكاد تذكر، أي أن واقع عمال القطاع الخاص من حيث الحقوق العامة الغائبة ومستوى الأجور المجحفة واحد، وأي تباين ظاهر فيما بينهم ليس جوهرياً بل شكلي. ثانياً: إن الواقع الاقتصادي الاجتماعي العام والنموذج الاقتصادي السائد في البلاد المحابي للأقلية الناهبة واحد وعام، لا يمكن لأي عامل وقاية نفسه منه أو مواجهة نتائجه الكارثية منفرداً. ثالثاً: إن وجود الآلاف من العمال في شركة واحدة ليس حكراً على شركة زنوبيا، بل هناك العديد من الشركات والمعامل التي يبلغ ملاكها العددي عدة آلاف، ومنها معمل مدار نفسه. رابعاً: إن الأضرار الكبرى التي لحقت بالقطاع الصناعي الإنتاجي الوطني الناتجة عن السياسات الاقتصادية المضرة بالمنتج المحلي أصابت جميع القطاعات الصناعية المنتجة. وبالتالي، فإن تأثير التحرك العمالي لعمال زنوبيا على مجمل عمال القطاع الخاص بشكل مباشر وغير مباشر جاء نتيجة عامل ذاتي مطلق امتلكه عمال زنوبيا دوناً عن غيرهم من العمال، يتمثل بالتجربة المتراكمة والتنظيم الرفيع. فإذا عدنا إلى عام 2014 الذي شهد التحرك العمالي المنظَّم الأول لهم، وما تلاه من تحركات وإضرابات عبر كل تلك السنين (متوفرة في أرشيف موقع جريدة قاسيون)، نستطيع فهم دور التنظيم. وهذا ما أدركه عمال زنوبيا قبل الجميع، فتمسكوا به وحافظوا عليه وطوّروه أيضاً. وهذا ما بدا واضحاً للعيان مع بدء الإضراب، فأعطاه زخماً كبيراً واستقطب الاهتمام الاجتماعي والإعلامي الواسع، فالتقط عمال الشركات الأخرى كل ذلك وأسرعوا لتنظيم أنفسهم وتأطير مطالبهم وتوحيد كلمتهم، وبدأ نشاطهم بأشكال مختلفة ليبنوا تجربتهم الخاصة انطلاقاً من نموذج ناجح يصلح لذلك.


عمال طليعيون ونواب حقيقيون


حاز إضراب شركة زنوبيا على تعاطف الشعب السوري ودعمه على امتداد البلاد، وتجلَّى ذلك على أرض الواقع قبل أن يتجلّى على مواقع التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية الأخرى، وكأنهم كانوا نواباً حقيقيين عن الأغلبية الطبقية المنهوبة لا عمالاً فقط، وطليعة نضالية واعية شجاعة في زمن قلت به الطلائع. فمطالبهم بالعيش الكريم ورفع المذلة لا تعنيهم وحدهم، ودفاعهم عن لقمة أولادهم حقوقهم الاجتماعية والصحية كافةً اختزل مطالب الشعب السوري المحروم من أبسط مقومات العيش الكريم. فكل ما نادى به الإضراب وسعى إليه ليس سوى جزء أساسي من مطالب الشعب، وهؤلاء العمال يمثلون طبقة اجتماعية تعيش تحت خط الفقر منذ عقود، فأصبحوا بشكل طبيعي ممثلين عن عمال القطاع العام الذين يعانون الأمرَّين، وعن المتقاعدين الباحثين عن ثمن الدواء، وعن فلاحين خسروا محاصيلهم أو أُبخِسوا ثمن قمحهم، وعن حرفيين باحثين عن ورشة جديدة يقتاتون من أجرتها، وعن جيش من الباحثين عن عمل، وعن العاجزين عن دفع فواتير الكهرباء وشراء جرة الغاز ونفقات المواصلات والطبابة. أي أنهم أصبحوا في أيام قليلة نواباً حقيقيين عن الشعب السوري، وداعماً كبيراً لكل المطالب المعيشية والخدمية، فرأى هؤلاء السوريون أنفسهم بهم، فتعاطفوا مع أنفسهم قبل التعاطف مع عمال نظّموا أنفسهم وأضربوا من أجل بعض الحقوق، واعتبروا أن نجاحهم ضروري لأجل الجميع. وهذا ما رأيناه أيضاً في قضية أسعار القمح، فالتفاف الغالبية الطبقية المنهوبة حول هذه النماذج ما هو إلا بداية مسار لوعي جمعي وإرادة مشتركة للتغيير المنشود الذي يصون كرامة الوطن والمواطن.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1283