توتير جديد تراجع جديد
يشهد الوضع الإقليمي محاولات جديدة لرفع منسوب التوتر، من خلال حملة دعائية واسعة، عن احتمال اشتعال حرب إقليمية، تنذر بـ«قيام الساعة»!
يشهد الوضع الإقليمي محاولات جديدة لرفع منسوب التوتر، من خلال حملة دعائية واسعة، عن احتمال اشتعال حرب إقليمية، تنذر بـ«قيام الساعة»!
حرك إعلان روسيا الاتحادية احتمال انعقاد مؤتمر «الحوار الوطني السوري»، مياه جنيف الراكدة، واستنفرت القوى المتشددة في جماعة الرياض، تشكيكاً، وتشهيراً بالمؤتمر حتى قبل أن تتوضح طبيعته، ووظيفته، ومعالمه النهائية ..
يجري هذه الأيام سباق غير مسبوق على طريق الحل السياسي للأزمة السورية، على أكثر من مسار، وفي أكثر من اتجاه.
تزامنت الأزمة السورية مع مرحلة تشكل توازن القوى الدولي الجديد، حيث ينهار عالم قديم ببنيته، وأدواته، وطبيعة العلاقات بين دوله، ويولد عالم جديد، وإن لم تتضح معالمه النهائية كاملة بعد. ومن هنا باتت الساحة السورية إحدى جبهات المواجهة بين الاستفراد الغربي بالقرار الدولي، وبين الدول التي تسعى إلى علاقات متوازنة تراعي مصالح الدول والشعوب الأخرى.
أصبح الوطن السوري منذ سنوات، ساحة حرب مفتوحة تشترك فيها جيوش العديد من الدول، وقوى مسلحة مختلفة، بغايات وأهداف متعددة وأدوار مختلفة... ومع تراجع قوى الإرهاب الفاشي، واقتراب استحقاق الحل السياسي، بات الحديث عن مصير هذه القوى جزءاً من الخطاب الإعلامي المتداول لمختلف القوى، ومما لا شك فيه، أن خروج القوات الأجنبية جميعها دون استثناء، لاحقاً، يعتبر من حيث المبدأ مطلباً وطنياً مشروعاً. على اعتبار أن هذا الوجود هو انتقاص من السيادة الوطنية، وذلك بغض النظر عن أسبقيتها، ومبررات وجودها، وشرعيتها من عدمها، وتوافق وجودها مع القانون الدولي، من عدمه...
تضاف يوماً بعد يوم وقائع جديدة، تؤكد على استكمال محاصرة القوى المتشددة في منصة الرياض، وتحجيم دورها، ودفعها إلى المزيد من التراجع، عن مواقفها، وبالدرجة الأولى: مسألة الشروط المسبقة في عملية التفاوض، فالسّمة الأساسية في سيرة هذا الكيان السياسي منذ نشأته هي: التراجع، رغم الصلف الأجوف الذي فقد كل مبررات وجوده، فمن رفض مبدأ الحل السياسي إلى القبول به، ومن بدعة «الممثل الشرعي والوحيد» للشعب السوري، إلى صيغة الممثل الشرعي فقط، ومن عدم الاعتراف بمنصتي موسكو والقاهرة، إلى الامتثال للأمر الواقع والتفاوض مع المنصتين، ومن رفض مسار أستانا إلى التسليم به، كخيار مواز ومكمل لمسار جنيف، ومن رفض بحث السلال بالتوازي والتزامن، إلى قبول ذلك، كلها وقائع متتالية تؤكد أن هذا التراجع، بات خياراً إجبارياً ووحيداً لهذا الكائن، الذي يعتبر بأغلبيته كائناً طارئاً ومُصنّعاً ومفروضاً على الشعب السوري.
لا شروط مسبقة، ولا تأجيل تلكم هي أبرز عناوين الإحاطة التي قدّمها قبل أيام المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا إلى مجلس الأمن الدولي، بخصوص الجولة المرتقبة من مفاوضات جنيف الخاصة بالأزمة السورية، والتي من المفروض أنها تختصر خلاصة استنتاجاته واتصالاته الإقليمية والدولية، وتعكس مستوى التوافق الذي توصل إليه اللاعبان الرئيسان فيما يتعلق بالحل السياسي في سورية.
منذ أن دخل الطرف الروسي بشكل مباشر على خط الأزمة السورية، وإصراره على أن يقرر الشعب السوري مصيره بنفسه، عبر الحل السياسي التوافقي، بدأت الدول الأوربية المركزية، تتخوف من أن تخرج من «المولد بلا حمص»، ليتعزز هذا الخوف ويصبح قلقاً كلما تقدم الحل السياسي إلى الأمام، الأمر الذي يفسر «المبادرة الفرنسية» الجديدة بشأن سورية، التي تعتبر إحدى محاولات التسلل إلى الميدان السوري، من بوابة الحل السياسي، بدلالة أن هذه المحاولة الفرنسية، جاءت في سياق التراجع الذي اتسمت به مواقف أغلب الدول الغربية والإقليمية، لاسيما وأن الموقف الفرنسي كان أحد أكثر المواقف الدولية تطرفاً.
تؤكد النتائج الأولية لاجتماع آستانا على تقدم جديد في هذا المسار، سواء من خلال تثبيت وترسيخ ما تم الاتفاق عليه سابقاً، أو من خلال توسع دائرة المشاركين من القوى الإقليمية في حضور هذه اللقاءات كمراقبين، أو من خلال تهيئة الظروف لتحقيق المزيد من التقدم على طريق العملية السياسية.
يعتبر إعلان كسر الحصار المفروض على دير الزور، تدشيناً لمرحلة جديدة في تاريخ الأزمة السورية، كما تشير أغلب التحليلات والقراءات المواكبة للحدث، فهو من جهة استمرار لسلسلة الانكسارات الميدانية التي لحقت بتنظيم داعش الإرهابي، وهو بالإضافة إلى ذلك، يستكمل توفير الأجواء المناسبة لتقدم جديد على مسار العملية السياسية، ودفعها إلى مرحلة التفاوض المباشر بين النظام والمعارضة، خصوصاً وأن العملية تجري بالتوازي مع توسيع رقعة مناطق خفض التوتر