أيار الساخن: العيد.. الأزمة والحرب!

تشير متابعة الفعاليات والتظاهرات التي أقامتها الطبقة العاملة والتنظيمات النقابية الحية في شوارع عواصم العالم في الأول من أيار لهذا العام إلى أن إحياء هذه القوى لعيد العمال العالمي لم يكن «ذكرى والسلام» بل هو علامة ومؤشر لما قد تتطور إليه مآلات الأحداث على خلفية الأزمة الرأسمالية العالمية التي تضرب في المراكز الامبريالية والأطراف على حد سواء، وإن بشكل متفاوت.

العنوان الأبرز لهذا المؤشر، الذي يأتي استكمالاً لموجة الإضرابات العمالية الاحتجاجية التي تلف العالم حتى قبل الذكرى/ العيد، يقول: إن الطبقة العاملة لن تقبل أن يجري تحميلها تبعات الأزمة..!

ولهذا السبب ربما أخذ «العيد» في ظل الأزمة طابع التصعيد في شكل التظاهرات العمالية في أرجاء المعمورة مع كثافة في الحضور لم يستطع الإعلام التغاضي عنها.

«الأحياء» من عمال العالم شددوا على مطالبهم في حماية مكتسباتهم الاجتماعية تحت موجات من ألوان الرايات الحمراء في دول آسيا، ومعها صور ضخمة للينين وستالين في روسيا، وفوقها قذف لزجاجات المولوتوف في اليونان، بوصفها أحد البلدان التي تتهدد طبقاتها الشعبية الإجراءات الليبرالية الموغلة في توحشها للخروج من الأزمة.

وربما يستحق الأول من أيار في اليونان توقفاً مطولاً نسبياً لخصوصية الحالة من جهة، ودورها في لوحة الأزمة عموماً من جهة ثانية، لتبقى في كل الأحوال انعكاساً لأبشع تجليات الأزمة ومحاولات الرأسمالية الحاكمة الخروج منها أو التنصل من مسؤولياتها على الأقل ما استدعى من المتظاهرين/ المحتجين/ المتضررين تنظيم تظاهراتهم لتأخذ طابعاً شبه عسكري، كراً وفراً منظماً، في مواجهة الشرطة التي تمثل واجهة لطيف اصطفاف كل القوى والأدوات الرأسمالية، من حكومات مراكز القرار والنفوذ في الاتحاد الأوربي وصندوق النقد والبنك الدوليين في محاولاتهم مساعدة حكومة اليمين اليوناني الحاكم في تجاوز أزمة المديونية عبر تقديم مساعدات مشروطة بسلسلة إجراءات تقشفية جديدة غير مسبوقة في استكلابها على مصالح السواد الأعظم من اليونانيين: رفع ضريبة المبيعات حتى 23%، تخفيض الإنفاق الحكومي على الصحة والتعليم، منع التوظيف في مرافق القطاع العام ومؤسساته، رفع السن التقاعدية إلى 67 سنة، والأنكى عدم دفع رواتب المتقاعدين لمدة شهرين، أي دفع الناس الذين يفترض تكريمهم في أرذل العمر نحو الموت جوعاً أو الخروج للشوارع، وتحضير الأرضية لمختلف صنوف الفوضى الاجتماعية والجريمة الفردية، في ظل مواصلة قمع الاحتجاجات الجماعية السلمية أو الفوضوية، التي لا يجري في الوقت ذاته الاستماع إليها.

هذا الاستعصاء سيفضي إلى لا شيء، سوى انهيار البنية اليونانية، وسط تخوف الدائنين ومقدمي «المساعدات» من انعكاسات ذلك على دواخل بلدانهم، لأنها ستكون مساعدات عقيمة، بسبب استعصاء الأزمة ذاتها. وسيتحول الأمر إلى كرة ثلج صيفية حارة تهدد أولاً اسبانيا والبرتغال ولكنها قد تسحب معها، الوحدة الأوربية ذاتها، لتضعها على المحك، أقلها في بعدها النقدي، كإجراءات حمائية قد تلجأ لها الاقتصادات الأوربية، ولاسيما مع الأنباء عن انهيار البورصات والانخفاض المريع في سعر صرف اليورو مقابل الدولار.

وفي الإطار العام لمفاعيل الأزمة يعني الانتهاء المتسارع باطراد لمكامن الحلول «التنفيسية» اكتمال تشكل مكونات الأرضية المؤهلة لتفجير صراع ما، بوصفه تعبيراً أخيراً عن أعلى درجة استعصاء الأزمة عموماً.

ومن هنا يتأتى أحد جوانب فهم التصعيد في المنطقة العربية لتكون المرشحة رقم واحد كبؤرة التفجير المنشود، ليتبدى هذا التصاعد المطرد في شد الحبال، وتبادل رسائل التهديدات المباشرة وغير المباشرة مع واشنطن وتل أبيب، ونسج الأكاذيب حول سورية ولبنان وإيران، ونشر مختلف السيناريوهات والحديث عن مختلف الاستعدادات العسكرية، وإجراء المناورات وتحضير الرأي العام لترقب ما قد يكون أكثر سخونة من أيار 2010 في أشهر صيف هذا العام، وربما في الأسابيع المقبلة منه، لا أكثر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.