رنجة «فيس بوك» الحمراء

رنجة «فيس بوك» الحمراء

في الوقت الذي تعصف فيه أزمات متراكمة بكل شارع وبيت سوري، من انهيار معيشي، وتدهور اقتصادي وأمني، وغياب للعدالة والخدمات الأساسية للناس... الخ، يحاول البعض إغراق السوريين في مستنقع من الجدالات العقيمة على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة فيس بوك. هذا المشهد ليس نتاجاً عفوياً لطباع الناس، بل هو انعكاس دقيق لآلية منطقية معروفة، تسمى بـ «مغالطة الرنجة الحمراء» (Red Herringيجري استخدامها لصرف الأنظار عن جوهر الأزمة، وإفقاد النقاش العام أي فاعلية حقيقية.

 

تعتمد هذه المغالطة على إدخال قضية هامشية، أو مثيرة عاطفياً إلى قلب النقاش، بهدف إبعاد المشاركين عن الموضوع الأساسي، تماماً كما تفعل «الرنجة المدخنة» ذات الرائحة القوية، والتي كانت تُستخدم لتضليل كلاب الصيد عن أثر الفريسة الحقيقي. في فضاء التواصل الاجتماعي اليوم، سرعانما يختطف كل نقاش جاد حول الغلاء وسوء الوضع المعاشي وانهيار العملة، وأزمة الكهرباء، والفقر والجوع وغيرها من المشاكل يُحوّل إلى معركة هوياتية، أو إلى اختبار ولاء شخصي، أو جدال حول تفاصيل ثانوية، وكأن حل الجوع أو الانقطاع الكهربائي يمكن أن يمر عبر هذه المداخل الزائفة.

يكمن خطر «رنجة» التواصل الاجتماعي هذه ليس فقط في إضاعة الوقت، بل في محاولات تفريغ الشارع من طاقته الاحتجاجية، فبدلاً من أن يتحد الناس حول مطالبهم العادلة، يتفرقون في خنادق متعاركة لا تؤدي إلى حل، وتُبقي السياسات القائمة بعيداً عن المساءلة. إن التشتيت المتعمد ليس ظاهرة ثقافية طارئة، بل هو أداة سياسية ممنهجة تُستخدم لإلهاء الناس بينما تتفاقم الملفات الجوهرية.

من جهة أخرى، من يتابع ما ينشر في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي، أو يسمع خطابات بعض المسؤولين فيه، يظن للحظة أنه أمام مشهد دولة استعادت تماسكها، وأعادت تركيب وظيفتها الاجتماعية، وكأنها تسير بثبات نحو منزلة الدول المتقدمة.

المفارقة الصارخة ليست مجرد اختلاف في الرواية، بل هي تعبير عن أزمة ثقة مؤسسية عميقة. فهذا التباعد بين «الدولة القانونية» كما تُعرض إعلامياً، و«الدولة الفعلية» كما تعيش في الشارع، يُفقد الخطاب المعلن مصداقيته، ويُفكك رأس المال الاجتماعي، فحين تتزين بعض الصفحات والشخصيات بوهم التحسن، بينما تئن الأسرة تحت وطأة معاش لا تطاق، تتحول سياسات النخب السائدة إلى خطاب منفصل عن هموم الناس، مما يُعمّق الشعور بالغبن ويهدد السلم الأهلي.

ما تحتاجه سورية اليوم، قبل أي منشور أو تغريدة، هو مؤتمر وطني عام وشامل يمثل الشعب السوري، بكل تنوعاته السياسية والاجتماعية والجغرافية، داخل الوطن وخارجه. ويساهم بمشاركة السوريين في وضع مشروع وطني متكامل، يضع كل الملفات الشائكة على طاولة البحث بجرأة وشفافية: الاقتصاد، الخدمات، العدالة الانتقالية، الحريات، شكل النظام السياسي... الخ. مشروع يشارك في صياغته جميع السوريين، ويشعرون فيه بملكيتهم الحقيقية لمستقبل بلدهم.

لا يتحقق التغيير الحقيقي بتغريدة عابرة، ولا بوعي فردي مهما بلغ، بل يبدأ من طاولة حوار وطني جاد، يجلس حولها السوريون كشركاء في وطن واحد، ليحددوا معاً أولوياتهم، ويبنوا مؤسساتهم، فينتهي عصر الإلهاء، وتبدأ مرحلة البناء الحقيقي على أسس من العدالة والمواطنة المتساوية.

 

آخر تعديل على الأحد, 19 تموز/يوليو 2026 16:32