بصراحة مطالب العمال بالعدالة اليوم لا تتعدى الحد الأدنى للحياة
يكثر الحديث اليوم عن العدالة الاجتماعية، وتعتبر من المصطلحات التي تتردد في معظم الخطابات السياسية والاقتصادية والإعلامية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
ما المقصود بالعدالة الاجتماعية؟ وهل هي مفهوم ثابت لا يتغير، أم أنها تتطور بتطور المجتمعات وظروفها التاريخية؟
في الحقيقة، ليست العدالة الاجتماعية مفهوماً جامداً، بل هي ظاهرة تاريخية تتغير بتغير مستوى تطور المجتمع وقواه المنتجة وعلاقاته الاقتصادية. فما كان يُعد عدلاً قبل خمسين عاماً قد لا يكون كافياً اليوم، وما تعتبره الطبقة العاملة مطلباً عادلاً في هذه المرحلة قد يتغير عندما تتغير ظروف الإنتاج ومستوى المعيشة، وهي بالإضافة لكونها ظاهرة تاريخية فهي نسبية أيضاً.
واليوم، لا تطالب الطبقة العاملة بالمستحيل، ولا تبحث عن امتيازات استثنائية، بل تطالب بالحد الأدنى من العدالة الذي يسمح لها بالعيش بكرامة. إنها تطالب بأجر يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية لعائلة عاملة تتكون من 3-5 أشخاص تتضمن غذاءً مناسباً، ولباساً، ودواءً، وسكناً، وتعليماً، ونقلاً، وكهرباء، ومحروقات، وسائر مستلزمات الحياة، التي أصبحت تشكل الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة وبصحة جيدة.
لكن العدالة الاجتماعية لا تقف عند حدود الأجر والاحتياجات المادية. فهناك بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الكرامة الإنسانية. أن يعمل الإنسان في بيئة تحترم إنسانيته، وأن يتمتع بالأمان الوظيفي، وبالتأمينات الاجتماعية، وبشروط السلامة المهنية، وألا تتحول ساعات العمل الطويلة إلى استنزاف دائم يحرمه من حقه في أسرته وراحته وثقافته وحياته الاجتماعية. فالعامل ليس آلة إنتاج، بل إنسان له احتياجات مادية وروحية معاً، مترابطان ويؤثران يبعضهما البعض، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما موضوعياً.
وفي المقابل، تدرك الطبقة العاملة، أن هذه العدالة لا تُنتزع بقرار واحد، ولا تتحقق دفعة واحدة. فهي ثمرة نضال اقتصادي واجتماعي وسياسي طويل، يتقدم بخطوات متراكمة، ويحوّل المطالبة بالحقوق إلى نهج وثقافة وسلوك يومي، لا إلى رد فعل مؤقت على أزمة عابرة.
وعندما تنجح المجتمعات في تحقيق هذا المستوى من العدالة، فإنها لا تتوقف عنده، بل ترتفع مطالبها إلى مستويات أعلى. فكل مرحلة تاريخية تخلق مفهوماً جديداً للعدالة الاجتماعية، أكثر تقدماً واتساعاً من سابقه.
ولذلك، فإن العدالة الاجتماعية ليست سقفاً ثابتاً نصل إليه ثم نتوقف، بل طريق طويل يتقدم مع تقدم المجتمع نفسه. وما تطالب به الطبقة العاملة السورية اليوم ليس أكثر من العدالة التي يفرضها واقعها التاريخي، ولا أقل من الحق الطبيعي في حياة كريمة تحفظ الإنسان قبل أن تستثمر جهده.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289