للسوريين رأيٌ آخر

للسوريين رأيٌ آخر

مثلت تلك الغصة التي شعر بها السوريين إثر مشاهدتهم لمقاطع فيديو توثق انتهاكات جيش الاحتلال الصهيوني للأراضي السورية- والتي وصلت لدرجة التعدي والإساءة المباشرة لنساء سوريات في درعا جنوب سورية- واحدة من تلك اللحظات التي يقف فيها المرء أمام الحقائق المرة وجهاً لوجه، وتنكأ فيها الجروح القديمة، وتتكشف فيها الصدمات المضاعفة، صدمة الاحتلال نفسه، وصدمة الوعي بالهشاشة التي تعصف بالداخل.

 

ليست المرة الأولى التي شعر فيها السوريون بإهانة كرامتهم الوطنية على يد جيش الاحتلال، الذي طالما حاول وما زال يحاول استباحة الأراضي السورية وسماءها. وليس شعور السوري بالإهانة جراء انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وليد لحظة عابرة، بل هو تتويج لمسيرة طويلة من التهميش وسلب الإرادة. وهي ليست سوى لحظة تنكشف فيها حقيقة، أن الكرامة الوطنية، التي تبدو مفهوماً سياسياً مجرداً، هي في جوهرها امتداد للكرامة اليومية التي يعيشها الفرد في تفاصيل حياته. 

التهميش كأرضية خصبة للإذلال

لطالما عانى السوري من شعور عميق بالتهميش، ليس فقط على يد الاحتلال، بل نتيجة سنوات من سياسات داخلية جعلته يشعر بأنه "مستهان به" على أرضه. ولَّد هذا الشعور وتراكمه عبر سنوات شرخاً عميقاً بينه وبين ادعاءات السلطات المتعاقبة عن السيادة الوطنية. فعندما يرى الفرد " المواطن" نفسه عاجزاً عن حماية أبسط حقوقه اليومية، تأمين لقمة العيش، أو مواجهة المرض، أو الحصول على حقوقه الأساسية، فإن أي حديث عن السيادة الوطنية يصبح خطاباً فارغاً لا يمس واقعه المرير.  وغياب الدولة عن تفاصيل حياة مواطنيها، يجعل حضورها في لحظات الأزمات الخارجية ضبابياً وغير مقنع.

الكرامة غير القابلة للتجزئة

كرامة الإنسان لا تتجزأ، والكرامة الوطنية ليست مجرد شعار، بل حقيقة نفسية واجتماعية، وغالباً ما تخلق الإهانة اليومية الناتجة عن الفقر المدقع، وغياب الرعاية الصحية، وانتشار الأمية، وانعدام العدالة الاجتماعية، شعوراً بالعجز، يجعل من الصعب الاقتناع بمفهوم "الكرامة الوطنية" خارج السياقات التي تنتجه،فالإنسان الذي لا يشعر بأن دولته تحميه في تفاصيل حياته اليومية، يجد صعوبة بالغة في تصورها كحامية لسيادته أمام الخارج. وهنا تكمن مأساته في هذه الحالة، حيث يصبح الفرد بوصفه مواطناً أسير معادلة صعبة، فهو من جهة يعاني من شتى أشكال الإهمال في الداخل، مما يضعف شعوره بالانتماء، ومن جهة أخرى يُطلب منه أن يستشعر الكرامة الوطنية في مواجهة عدو خارجي لا يرى لهذا الوطن أي اعتبار. وغالباً ما تنشغل السلطة بخطابات المقاومة المجردة، بينما يعيش المواطن إذلالاً يومياً، تحت وطأة سياسات اقتصادية واجتماعية تهمش أي دور يمكن أن يلعبه في بلاده. في تناقض فاضح بين الخطاب السياسي والواقع المعيش.

بين مرآتين

في كثير من الأحيان، يُغيّر ذلك التناقض المشهد ككل، خاصة في تلك اللحظات التي ينتفض فيها الناس ليؤكدوا أن الروح لا تُكسر، وأن الإرادة الجماعية قادرة على خلق معنى جديد للسيادة، حتى في أحلك الظروف. فما يبدو كخرقٍ عابرٍ للسيادة، هو تجسيد مكثف للعلاقة بين السياسات الداخلية ونتائجها وبين الكرامة الوطنية. وليست التوغلات "الإسرائيلية" التي شملت إطلاق النار باتجاه منازل المدنيين، ومداهمة القرى، واحتجاز الأطفال، والتنكيل بالنساء، ليست وحدها ما يثير الإهانة، بل ما تكشفه من عجز مزدوج. تحاول أن تُظهر السوري عاجزاً في مرآة الاحتلال: إنسان بلا حماية، في وطن بلا سيادة فاعلة، يُترك فريسة للإذلال على مرأى من العالم.

ولكن للسوريين رأي آخر، فأمام تلك المشاهد المهينة لانتهاكات العدو ثمة مشاهد أخرى رافقت توغل آليات الاحتلال "الإسرائيلي" في القرى السورية، أظهرت أفعالاً ومواقف لم تكن في حسبان المحتل، نساء وأطفال وشباب يتصدون للآليات العسكرية، بأدوات بدائية، يضعون الحجارة في وجه الدبابات، ويمنعون جنود الاحتلال من التقدم ويقاتلون بالدم والأرواح، ما قد يبدو للوهلة الأولى أفعالاً ومواقف صغيرة ومتواضعة مقارنة بآلة الحرب "الإسرائيلية"، لكنها تحمل في طياتها رمزية عميقة تُزلزل معادلات القوة المجردة، وتؤكد أن الكرامة ليست شعارات تُتلى، بل حقوق تُمارس، وحماية تُمنح، وحياة كريمة تستحق أن تُعاش.

آخر تعديل على السبت, 18 تموز/يوليو 2026 23:03