الحسكة: اتفاقية الاندماج تحت المجهر

الحسكة: اتفاقية الاندماج تحت المجهر

شكّل اتفاق الاندماج بين الإدارة الذاتية والسلطة المؤقتة- من حيث الشكل على الأقل- خطوة نوعية في سياق الأزمة السورية، قياساً إلى احتمالات تجدد الحرب واستمرار الاستعصاء في ملف الشمال الشرقي. على الرغم من أن الاتفاق جاء متأخراً، وحدث بعد جولات من الحرب ذهب ضحيتها المئات من السوريين لم تنتهِ تداعياتها حتى اليوم، بل راكمت المزيد من الاحتقان.

معايير وشروط


التأكيد على أهمية الاتفاق لا يلغي ضرورة قراءته نقدياً على ضوء ما يُنفّذ عملياً على الأرض، فالممارسة كانت وما زالت هي معيار الحقيقة.
إن شروط نجاح أي اتفاق ضمن خصائص الظرف السوري الراهن:
أولاً: الوضوح والشفافية، بما يعنيه من إعلان صريح عن بنود الاتفاق، ومآلاته النهائية للرأي العام، وخصوصاً القاعدة الجماهيرية.
ثانياً: الشمول، أن يكون شاملاً وضمن رؤية وطنية سورية عامة، ولا يتناقض مع الحل الشامل للأزمة، أو بديلاً عنه.
ثالثاً: التوافق، بما يعنيه الاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة ومؤلمة إذا تطلب الأمر، وتجاوز ثقافة الغالب والمغلوب.
على ضوء هذه الشروط المذكورة آنفاً، التي يفرضها الواقع الموضوعي من جهة توازن القوى، وضرورة العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، يمكن القول:
إن اتفاق الدمج بين الإدارة الذاتية والسلطة المؤقتة يعاني من مشكلات في الشكل والمحتوى، فالنص التنفيذي للاتفاق ما زال حتى الآن حبيس الأدراج، ولا أحد يعرف بنوده النهائية سوى تلك النخب التي وقعت عليه، مما يصدم القاعدة الجماهيرية لهذا الطرف أو ذاك بعد كل خطوة، فهذا الغموض الذي اكتنف الإجراءات التنفيذية، أنتج مشكلة جديدة، وهي أن أنصار كل طرف بات يفسر الاتفاق كما يحلو له، وحسب تفسيراته وتأويلاته، وخضعت كل مرحلة تنفيذاً لابتزاز متبادل: بدءاً من مسلسل قصر العدل في الحسكة، وملف ريع واردات النفط، وتعيينات مجلس الشعب، مروراً بملف “قسد” ضمن هيكلية الجيش الرسمي، وتعيين مدراء المناطق، وملف الشرطة وقوى الأمن، وملف صدمة ارتفاع أسعار المحروقات، وصولاً إلى ملف الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، وملف النازحين في الحسكة ورأس العين.

هذا التجاذب عزز مواقع القوى المتشددة في الطرفين، وأدى إلى تعميق الاستقطاب القومي، حيث بات من الواضح أن هناك قوى من هنا وهناك لم تكن ترغب بالاتفاق من أساسه. والمفارقة أن ذرائع كلا الطرفين تبدو صحيحة في ظاهرها، فمتشددو السلطة يبررون مواقفهم بضرورة استعادة السيادة على كامل الأراضي السورية، ومتشددو الإدارة الذاتية يبررون مواقفهم بضرورة ضمان حقوق الشعب الكردي. وفي الواقع، لا نصب “خيمة الحرب» أداة صالحة لاستعادة السيادة، ولا فرض المحاصصة القومية طريقة صالحة لضمان حقوق الكرد السوريين.
وبغض النظر عما إذا كانت مظاهر التشدد هذه عملية تبادل أدوار لتحقيق مكاسب إضافية، أو كانت ظاهرة موضوعية في مثل هذه الظروف، فإن الطريقة النخبوية والغموض الذي اكتنف البنود التنفيذية يبقيان سبباً أساسياً لهذا التجاذب القوموي.
فالاتفاق- على أهميته- لم يحقق حتى الآن الهدف الأساسي منه، وهو: إدارة التنوع القومي في إطار الهوية الوطنية الجامعة. وسيبقى هذا الملف عرضة للتجاذب مهما كانت النوايا حسنة، ولن يكتب له النجاح، بل قد يؤدي إلى عكس الهدف المناط به، إن لم يندرج ضمن رؤية سورية عامة؛ أي ضمن حل شامل للأزمة السورية بكل إحداثياتها (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الديمقراطية، والأمنية)، تشارك فيه كل القوى السياسية والمجتمعية في البلاد، مع التخلص تماماً من أوهام الاستئثار بالقرار، واحتكار التمثيل القومي، أو الديني، أو الطائفي. ومن المفارقات في هذا المجال، تجاهل الملف القومي السرياني - الآشوري في سياق عملية الدمج، مما جعله ملفاً مستقلاً بذاته.
دور الراعي العتيد!
في الوقت الذي يجاهر فيه الطرف الأمريكي بإعادة رسم خرائط المنطقة، كيف يمكن له أن يكون راعياً لاتفاق دمج حقيقي ونهائي يستعيد وحدة سورية ويعيد لها الاستقرار؟
ورغم أن هذا السؤال يتضمن إجابة مضمرة، فإن تحليل الدور الأمريكي هنا ضرورة ملحة من جهة الحرص على الاتفاق، وفهم احتمالات تطور عملية الدمج ذاتها:
الإدارة الأمريكية كانت وما زالت تعمل بمنطق إدارة الأزمة وليس حلها
تنظر هذه الإدارة إلى دول وشعوب المنطقة باعتبارها ساحة واحدة؛ وما تكليف توم باراك بملف سورية والعراق وتركيا معاً إلا دليل واضح على ذلك، فهي تحاول الإمساك بكل الخيوط لإدارة الصراع وفق مشروعها الخاص.
والوقائع الملموسة تقول: إن الادارة الأمريكية تستخدم ملف الشمال الشرقي كأداة ابتزاز مركبة: ابتزاز السلطة بقسد، وابتزاز قسد بالسلطة، وابتزاز تركيا بقسد والملف الكردي عموماً، وابتزاز قسد بتركيا، وأغلب الظن أنها تحاول توريط إقليم كردستان العراق في لعبته. فالـ “ريموت كنترول» ينبغي أن يبقى بيدها، توزع الأدوار على الكل كما تشاء وفي التوقيت الذي تريد: فمرة تعتبر قسد “حليفاً لن نتخلى عنه”، ومرة يقال إن “وظيفة قسد انتهت”؛ وفي الحالتين يرتفع منسوب الاستقطاب القومي نحو جموح انعزالي، أو احتقان وإحراج لقسد أمام قاعدتها. ومرة تقول “من حق السلطة المؤقتة أن تبسط سيادتها”، ومرة “ينبغي الوقوف عند حدود الحسكة”؛ وفي الحالتين أيضاً يظهر جموح نحو الحسم العسكري، مما يضع السلطة المؤقتة في حرج أمام قاعدتها ويخلق احتقاناً مضاداً. ومرة تؤكد على “حق تركيا في حماية أمنها القومي”، ومرة تلوح بـ “قانون حماية الكرد».
والحال هذه، تبقى كل الأطراف في حالة ترقب وتوجّس، ويصبح هاجسها الوحيد اللهاث خلف إرضاء الأمريكي قبل أي شيء آخر، دون سعي جاد إلى حل حقيقي. هذا يكشف حقيقة قديمة متجددة، وهي أن النخب السورية - رغم تناقضاتها الظاهرية- تدور في الحلقة ذاتها وتتخادم فيما بينها.


لغم المحاصصة !


التنوع القومي والديني في سورية واقع موضوعي، ولا شك أن حله حلاً ديمقراطياً عادلاً يُعد أحد أسس بناء سورية الجديدة. ولكن كيف؟
هل بتعميم نموذج المحاصصة وتقاسم المكاسب والمناصب بين النخب، الذي وجدنا مثاله الملموس في العراق؟
المحاصصة في الظرف السوري الراهن هي شرعنة للطائفية والطائفية المضادة، وشرعنة للشوفينية والانعزال القومي. هي محاولة لتجميد الصراع وتغيير شكله دون حله؛ وبمعنى واضح، هي تثبيت نموذج الدولة العاجزة التي يتحكم بها الفيتو الطائفي أو القومي أو الديني، بما يعنيه ذلك من جهاز دولة مشلول عملياً، لا يستطيع القيام بأدنى مهامه، وبالتالي شعب منهك وجائع ومقهور، ونخب تتقاسم السلطة والثروة.
من الضروري في هذا المقام التذكير مجدداً بما قلناه مراراً، وهو أن الجزيرة هي أرض سورية، وهي أرض لكل السوريين الذين ساهموا في عمرانها من سريان، وكرد، وعرب، وأرمن وغيرهم، ولا يحق لأيٍ كان ادعاء حقوق الملكية الحصرية فيها بما يلغي حقوق الآخرين.

أما الخوض في معركة النسب السكانية والأقدمية التاريخية بقصد الانتقاص من حقوق أحد، فهو نوع من الشعبوية القومية البدائية التي لا علاقة لها بعلم الاجتماع السياسي سوى التجييش والتحشيد والتعبئة، والدخول في دوامة صراعات عبثية لا تؤمن حقوق أحد، ولا تحافظ على وحدة سورية وسيادتها واستقلالها.
لذلك، فإن البحث عن نموذج إبداعي مستنبط من خصائص الواقع السوري، يراعي هواجس الجميع ويضمن حقوقهم، ويؤدي إلى بناء سورية الجديدة قولاً وفعلاً، هو معيار أي موقف جدي ومسؤول ووطني وديمقراطي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1289