تعقيبٌ عمالي على طروحات الصناعي نور الدين سمحا حول واقع الصناعة النسيجية السورية: «عن جد نزعتا»
حمل الحوار الذي أجراه الصناعي نور الدين سمحا مع موقع «الاقتصادي» كثيراً من الأفكار المهمة حول واقع الصناعة النسيجية السورية، والعقبات التي تواجهها، بدءاً من ارتفاع تكاليف الطاقة، وتراجع إنتاج القطن، وصعوبة التمويل، وصولاً إلى التهريب والحاجة لتحديث خطوط الإنتاج وحماية المنتج الوطني. كما تحدث عن إمكانية توفير ما بين مليون ومليون ونصف فرصة عمل خلال خمس سنوات، إذا ما توفرت السياسات المناسبة، وهي رؤية تستحق التوقف عندها، لأن قطاع النسيج كان ولا يزال أحد أهم القطاعات القادرة على قيادة عملية التعافي الاقتصادي والتشغيل في سورية.
ولا يختلف اثنان على أن الصناعة السورية تحتاج اليوم إلى برنامج وطني حقيقي لإنقاذها، يقوم على توفير الطاقة بأسعار منافسة، وتأمين التمويل طويل الأجل، وإصلاح البيئة الجمركية والضريبية، وتحديث الآلات، ومكافحة التهريب، ودعم المنتج الوطني في مواجهة المنافسة غير المتكافئة. فجميع هذه المطالب مشروعة، بل إن الحركة العمالية نفسها لطالما دافعت عنها، لأنها تدرك أن ازدهار الإنتاج الوطني هو الضمان الحقيقي لاستقرار فرص العمل وتحسين مستوى معيشة العمال.
لكن ما يثير النقاش في هذا الطرح، هو إدراج التأمينات الاجتماعية ضمن قائمة الأعباء التي ينبغي تخفيضها، والدعوة إلى خفض الاشتراكات التأمينية مرحلياً من نحو 24% إلى ما بين 7 و10%.
هنا مربط الفرس!
التأمينات الاجتماعية ليست رسماً جمركياً، ولا ضريبة على الإنتاج، ولا تكلفة يمكن التعامل معها بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع أسعار الكهرباء، أو أجور النقل أو الرسوم المالية. إنها جزء من منظومة الحماية الاجتماعية، وجزء من الأجر غير المباشر للعامل، الذي يضمن له العلاج عند المرض، والتعويض عند الإصابة، والمعاش عند الشيخوخة، والأمان لعائلته عندما يعجز عن العمل، ومن هنا فإن المطالبة بتخفيض هذا الحق، حتى وإن كانت مؤقتة، تعني عملياً نقل جزء من كلفة الأزمة إلى الحلقة الأضعف في العملية الإنتاجية، لكن السؤال الأهم ليس هنا فقط.
«هل جزاء الإحسان إلا الإحسان»؟
المفارقة اللافتة، أن العمال، عندما يدافعون عن الصناعة الوطنية، لا يطرحون ذلك على حساب أصحاب المعامل. فهم يطالبون دائماً بدعم الصناعة، وتخفيض تكاليف الإنتاج، وتأمين الطاقة، ومكافحة التهريب، وحماية المنتج الوطني، لأنهم يدركون أن المصنع إذا توقف توقفت معه أرزاقهم أيضاً.
أما عندما يطرح بعض الصناعيين رؤيتهم لمعالجة الأزمة، فإن أول ما يوضع على طاولة التخفيض يكون في كثير من الأحيان حقوق العمال، سواء كانت أجوراً، أو تأمينات اجتماعية، أو غيرها من الحقوق المرتبطة بالحماية الاجتماعية.
فلماذا يدافع العامل عن الصناعة دون أن ينتقص من حقوق الصناعي، بينما يعجز بعض الصناعيين عن الدفاع عن الصناعة دون المساس بحقوق العامل؟
ولعل الذاكرة القريبة تستحق أن تُستعاد، فخلال سنوات الأزمة السورية بتعقيداتها، وارتفاع مستوى العمليات العسكرية على مستوى البلاد، من الذي حافظ على المصانع والأفران والمنشآت وسلسلة توريد المنتجات الغذائية والدوائية؟ من الذي عزز صمود القطاع الخاص؟ لم تكن رؤوس الأموال وحدها هي التي أبقت عجلة الإنتاج دائرة. آلاف العمال بقوا في معاملهم، وحرسوا خطوط الإنتاج، وحافظوا على المستودعات والآلات، واستمروا في العمل في ظروف أمنية واقتصادية بالغة الصعوبة، لأنهم كانوا يدركون أن توقف المعمل يعني ضياع أرزاق أرباب العمل، وبالتالي ضياع لقمة عيش العمال مورد رزق مئات الأسر، ولا يمكن إنكار أن كثيراً من الصناعيين تكبدوا خسائر كبيرة، وأن بعضهم خاطر برأسماله واستمر بالإنتاج رغم الظروف القاسية. لكن ذلك لا يلغي حقيقة أخرى، وهي أن العمال أيضاً دفعوا أثماناً باهظة، وكانوا الشريك الحقيقي في حماية المنشآت واستمرار الإنتاج، فهل يظلم العمال أصحاب العمل عندما يطالبون اليوم بالمعاملة بالمثل؟ وهل أخطأوا عندما امتلكوا وعياً وطنياً واقتصادياً جعلهم يدافعون عن الصناعة، في الوقت الذي يدافع فيه بعض أصحاب الأعمال عن الصناعة بشرط أن تكون حقوق العمال أول ما يُقتطع منها؟
إن الكادر البشري ليس عبئاً على الصناعة، بل هو أهم أصولها. فالآلة يمكن شراؤها، وخط الإنتاج يمكن تحديثه، والتمويل يمكن تأمينه، لكن العامل الماهر، والخبرة المتراكمة، والانتماء للمهنة، والاستقرار الوظيفي، لا تُستورد من الخارج، ولا تُقاس بلغة الكلفة المباشرة.
بل إن العامل ليس منتجاً فقط، وإنما هو أيضاً مستهلك. وكل زيادة حقيقية في دخله تتحول إلى طلب على الغذاء واللباس والسكن والنقل والخدمات، أي أنها تعود إلى الأسواق وتحرك الدورة الاقتصادية، وتخلق طلباً جديداً على منتجات المصانع نفسها. ولذلك فإن تحسين أجور العمال وحمايتهم الاجتماعية ليس عبئاً على الاقتصاد، بل أحد أهم شروط تنشيطه.
الصناعيون والعمال في خندق واحد
إن المطلوب اليوم، ليس أن تتحمل الصناعة وحدها أعباء الأزمة، ولا أن يتحملها العمال وحدهم، بل أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في دعم القطاع الإنتاجي بأكمله. فإذا خُفضت تكاليف الطاقة، وأُصلحت السياسات الجمركية، ووُفر التمويل، وحُمي المنتج الوطني، فمن الطبيعي أن ينعكس هذا الدعم أيضاً على تحسين أجور العمال، وتوسيع مظلة التأمينات الاجتماعية، وتحسين شروط العمل، لا أن يتحول إلى فرصة جديدة لتخفيض حقوقهم.
فالاقتصاد الإنتاجي الذي تحتاجه سورية، لا يقوم على معادلة تربح فيها الآلة ويخسر الإنسان، بل على شراكة حقيقية بين رأس المال والعمل، لأن الصناعة لا تبنى بالآلات وحدها، وإنما تبنى أولاً بالإنسان الذي يقف خلفها.
وحين يصبح العامل مجرد بند في قائمة التكاليف، فإننا لا نكون قد أخطأنا بحق العمال فقط، بل أخطأنا بحق الصناعة نفسها، لأن الثروة الحقيقية لأي اقتصاد ليست في معداته، بل في الإنسان الذي يشغلها، ويطورها، ويحافظ عليها، ويمنحها قيمتها المضافة. هذا هو الاستثمار الذي لا ينبغي أن يخضع لمنطق التخفيض، بل لمنطق التنمية والعدالة والشراكة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289
إلياس زيتون