تشريح الحرب الأمريكية-«الإسرائيلية» على إيران
في 28 شباط، شنّت أمريكا و«إسرائيل» هجوماً عنيفاً على إيران، بذريعة «عدم الرضا عن المفاوضات النووية». وفي اليوم نفسه، قُتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الهجوم. وفي 1 آذار، أعلنت إيران تنفيذ «أعنف» ردّ انتقامي. ما الذي تريده أمريكا من هذه الضربة ضد إيران؟ إلى أي مدى سيصل ردّ إيران؟ وكيف يمكن أن تنتهي هذه العملية العسكرية؟ في 2 آذار قدّم البروفسور في جامعة شانغهاي للدراسات الأجنبية هوانغ جينغ- عِبر مقابلة تلفزيونية- تحليله المعمّق لما يجري، وإليكم أبرز ما جاء فيه، علماً أن بعض ما جاء في المقال قد تحقق بعد عدة أيام على مضي الحرب، مثل: أسعار الطاقة المفرطة، والانكشاف الأمريكي و«الإسرائيلي» والتراجع في التموضعات:
لفهم هذا الصراع، يجب، أولاً: توضيح بعض الحقائق الأساسية. الحقيقة الأولى هي: كم حجم القوات التي حشدتها أمريكا فعلاً في هذه العملية؟ فمن خلال حجم القوات، يمكننا أن نصدر حكماً موضوعياً نسبياً على نياتها الاستراتيجية. وإذا عدنا إلى التاريخ، فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، خاضت أمريكا في الشرق الأوسط عدداً من الحروب واسعة النطاق، أبرزها: حرب أفغانستان عام 2001، وحرب العراق عام 2003.
خلال حرب أفغانستان عام 2001، نشرت أمريكا 5 مجموعات قتالية لحاملات طائرات، وكان عدد الطائرات المحمولة على الحاملات وحدها يزيد على 300 طائرة. ومع دعم قوات الناتو والقواعد في الشرق الأوسط، بلغ إجمالي عدد الطائرات المقاتلة نحو 800 طائرة. كما جرى تجهيز نحو 1000 صاروخ توماهوك مجنّح، لكن الذي أُطلق فعلياً لم يتجاوز 50 صاروخاً تقريباً. ثم في حرب العراق عام 2003، ونظراً لأن القوة العسكرية العراقية كانت أقوى، جهّزت أمريكا 6 مجموعات قتالية لحاملات طائرات، ووصل العدد الإجمالي للطائرات المقاتلة إلى أكثر من 1000 طائرة، كما جرى تجهيز أكثر من 2000 صاروخ توماهوك، أُطلق منها فعلياً أكثر من 750 صاروخاً.
أما هذه المرة، فقد بدأت أمريكا التحضير منذ كانون الأول من العام الماضي، لكن التحضير كان في الحقيقة متعجّلاً نسبياً. فمجموعة حاملة الطائرات «لينكولن» كانت أصلاً متمركزة في آسيا والمحيط الهادئ، ثم نُقلت بشكل طارئ إلى مضيق هرمز. أما مجموعة حاملة الطائرات «فورد» فكانت قد تجاوزت بالفعل مدة خدمتها البحرية بثمانية أشهر، وبسبب أزمة مادورو لم تتمكن من العودة للراحة في موعدها، ثم أُعيد إرسالها فوراً إلى الشرق الأوسط. وكان أفراد الطاقم مرهقين إلى حدّ كبير. وقد ذكرت وسائل إعلام أمريكية: أن المشكلات على متن السفينة كانت متكررة، ومن بينها أعطال في أنظمة مياه الصرف والتخلّص من الفضلات، إذ خرج 80% من أصل 650 مرحاضاً عن الخدمة، وكان على الجنود أن يقفوا في طوابير طويلة. إن إجمالي الطائرات المقاتلة المتاحة لم يصل إلى 400 طائرة، كما أن إجمالي مخزون صواريخ توماهوك لم يكن يتجاوز قليلاً 1000 صاروخ.
كان ترامب قد قال: إن الضربات ستستمر أربعة أسابيع، لكن الواقع هو أن الطرف الأقل ثقة بهذه العملية قبل اندلاع الحرب لم يكن سوى الجيش الأمريكي نفسه. هناك تقارير منشورة علناً في أمريكا، تُظهر أن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال كين، وهو جنرال في سلاح الجو عيّنه ترامب شخصياً، صرّح علناً بأنه يفتقر إلى الثقة في هذه العملية. وقد طرح ثلاث نقاط رئيسية للشك، أولاً: نقص القوات. ثانياً: محدودية دعم الحلفاء، ولا سيما في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، حيث يواجه نشر القوات وتحريكها قيوداً كثيرة. ثالثاً: غياب خطة لاحقة. فأي خطة عسكرية ينبغي أن تتضمن بديلاً أو خطة احتياطية للتعامل مع تغيّر مجريات المعركة. وفي حربَي أفغانستان والعراق مثلاً، كان نشر خمس أو ست مجموعات قتالية لحاملات الطائرات يهدف إلى ترك هامش للمراحل اللاحقة من القتال. أما هذه المرة، فلا توجد مؤشرات على وجود ترتيبات واضحة لما بعد الضربة. وقد أكّدت عدد من وسائل الإعلام الأمريكية هذه المعلومات.
إذاً، لماذا خاضوا هذه الحرب رغم ذلك؟ هنا يجب التركيز على الاستراتيجية الطويلة المدى «للإسرائيليين». فعلى مدى أكثر من عشرين عاماً من وجود نتنياهو في السلطة، كان أحد أكثر أهدافه مركزية هو جرّ أمريكا إلى صدام مباشر مع إيران. صحيح أن نتنياهو نجح في تخريب مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، لكن إدخال أمريكا فعلياً في حرب ضد إيران لم يتحقق إلا خلال الولاية الثانية لترامب. وهذا يفسّر أيضاً لماذا اختارت أمريكا ضرب إيران رغم نقص الاستعداد، ورغم غياب الخطط اللاحقة.
في نظر كثير من الخبراء العسكريين، تبدو العملية الأمريكية هذه المرة شديدة التهوّر. وإذا بحثنا في الأسباب، فهناك عدة نقاط رئيسية.
السبب الأول: أن ترامب بطبيعته شخص يحب الاستعراض والتهويل، ويعتقد دائماً أنه الأقوى، وأن كل من يعارضه لا بد أن يدفع الثمن. وكانت العملية ضد حكومة مادورو في فنزويلا قد بدت ناجحة جداً في نظره، ما منحه مزيداً من الثقة.
والأهم من ذلك، أنه منذ 7 تشرين الأول 2023، حين بدأت «إسرائيل» حربها ضد حماس، أظهرت إسرائيل بالفعل، وبمساندة كاملة من أمريكا، قدرة قتالية قوية، إذ عملت تباعاً على تحطيم القوى الخارجية الداعمة لإيران: تعرّض حزب الله لضربات قاسية تكاد تكون قد شلّته، وحماس تلقت ضربة تدميرية، وسقط نظام الأسد الذي دعمته إيران في سورية، ليبدو أنّ «محور المقاومة» يتفكك تدريجياً. وبعد جولات من الضربات السابقة، وبعد الهجمات الإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية، كان رد إيران محدوداً للغاية على الولايات المتحدة، بل إنها أبلغت أمريكا مسبقاً، عبر السفارة السويسرية، بالأهداف التي ستُضرب. وهذا السلوك عمّق انطباع ترامب بأن الوقت الحالي هو الأنسب لضرب إيران. يُضاف إلى ذلك، أن احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة اندلعت داخل إيران قبل أكثر من شهر. وكل هذه العوامل تراكبت لتجعل ترامب وفريقه يعتقدون أن إيران أصبحت «لقمة سائغة» يمكن التعامل معها بسهولة.
السبب الثاني: هو أن الوضع الداخلي الأمريكي شديد السوء بالنسبة إلى ترامب. وأبرز مشكلة هنا هي أن الاقتصاد الأمريكي قد يواجه أزمة كبيرة. وقبل فترة قصيرة، وضعت مجلة «فورين بوليسي» احتمال «انهيار الاقتصاد الأمريكي» في صدارة المخاطر العالمية العشر لعام 2026. كما وضع رئيس مجموعة «أوراسيا» احتمال «اندلاع اضطرابات سياسية داخلية في أمريكا» في المرتبة الأولى بين مخاطر عام 2026. تراجع مستوى تأييد ترامب قبل الحرب إلى أدنى مستوياته، لنحو 27%. لكن الأخطر من ذلك أن الاقتصاد الأمريكي بالفعل في وضع شديد الخطورة. فركيزتا الاقتصاد الأمريكي هما القطاع المالي وقطاع التكنولوجيا العالية.
لننظر إلى سوق الأسهم الأمريكية: تبلغ القيمة السوقية الإجمالية حالياً نحو 72.2 تريليون دولار، بينما لم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025، بحسب الحسابات الأمريكية نفسها، نحو 30 تريليون دولار. أي، إن القيمة السوقية للأسهم بلغت نحو 235% من الناتج المحلي، وهو ما يفوق بكثير النطاق المعقول الذي يحذّر منه «مؤشر بافيت». ووفقاً للمؤشر الذهبي لوارن بافيت، فإذا تجاوزت القيمة السوقية للشركة 75 إلى 90% من أصولها الحقيقية، فإن ذلك يعني وجود فقاعة. أما الوضع الحالي، فهو بوضوح فقاعة ضخمة للغاية، تنطوي على مخاطر عالية جداً، ويؤكد ذلك الارتفاع المستمر في أسعار الذهب، الذي يعكس نزعة واضحة إلى التحوّط في السوق.
ومن زاوية المؤشرات الاقتصادية، فإن انعكاس منحنى الفائدة الطويلة في أمريكا مستمر، أي، إن الفائدة الطويلة الأجل باتت أدنى من القصيرة الأجل، وهذا في العادة يعني أن السوق يفتقر إلى الثقة في المستقبل الاقتصادي، وأن الأموال بدأت بالهروب من الأصول المقوّمَة بالدولار، في الوقت نفسه الذي يبيع فيه المستثمرون السندات الأمريكية الطويلة الأجل. وهذه إشارة بالغة الخطورة.
ثم انظر إلى بنية السوق نفسها. فالشركات السبع العملاقة في وادي السيليكون، المعروفة باسم «السبعة الكبار»، تبلغ قيمتها السوقية الإجمالية حالياً نحو 21 تريليون دولار. وإذا كانت القيمة السوقية الإجمالية لسوق الأسهم الأمريكية نحو 72 تريليون دولار، فهذا يعني أن سبع شركات فقط تستحوذ على نحو ثلث السوق تقريباً. وللمقارنة، فإن الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بأكمله لا يتجاوز 19 تريليون دولار. أي، إن القيمة السوقية لسبع شركات أمريكية باتت أكبر من الحجم الاقتصادي للاتحاد الأوروبي كله. وهذا التركّز بحد ذاته يعني وجود مخاطر هيكلية ضخمة.
وما يثير القلق أكثر، هو الانفصال الحاد بين الاستثمار والإنتاج. ففي عام 2025 وحده، بلغ حجم الأموال التي ضخّها القطاع الخاص الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال ترتيبات هيكلية مختلفة، نحو 1.5 تريليون دولار، بينما لم يتجاوز إجمالي إنتاج صناعة الذكاء الاصطناعي كلها 45 مليار دولار. 45 ملياراً مقابل 1.5 تريليون: هذه فجوة هائلة بصورة صارخة. كما أن دراسة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بتكليف من الكونغرس الأمريكي، أظهرت أن ما يصل إلى 95% من مشاريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي «فشلت في تسليم النتائج المتوقعة»، أي، إنها لم تنتج فعلياً أي جدوى ملموسة تقريباً. وهذه الفقاعة الضخمة أثارت بالفعل قلقاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، يواصل القطاع الصناعي الأمريكي انكماشه. ففي بداية الولاية الأولى لترامب عام 2017، كانت الصناعة التحويلية تمثل 11.7% من الناتج المحلي الأمريكي. وبعد ولاية ترامب الأولى، وولاية بايدن، ثم عودة ترامب إلى الحكم، انخفضت هذه النسبة اليوم إلى 9.4%. ومنذ عودة ترامب إلى السلطة، خسر قطاع الصناعة الأمريكي نحو 200 ألف وظيفة. وبذلك تبدو الأسس الاقتصادية في وضع شديد الخطورة فعلاً، كما أن استمرار صعود الذهب وارتفاع الفائدة الطويلة هما إشارتان واضحتان من السوق إلى البحث عن الأمان.
لننظر أيضاً إلى السياستين الرمزيّتين الكبيرتين اللتين دفع بهما ترامب بعد عودته إلى السلطة، أي سياسة الهجرة ومعالجة التضخم، فسنجد أن نتائجهما لم تكن مُرضية أيضاً. ففيما يخصّ سياسة الهجرة، أثارت سلسلة الإجراءات الصارمة التي نفذتها وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية ICE غضباً واحتجاجات على نطاق البلاد، لكن ترامب لا يستطيع التراجع عنها بسهولة، لأنها تمثل بالنسبة إلى قاعدته الأساسية «قضية معيارية» أو «راية أساسية».
لكن عدداً متزايداً من الناس بات يدرك أن قطاع التكنولوجيا العالية لا يمكنه الاستغناء عن المهاجرين. فقد شدّد إيلون ماسك، وغينغ رن شون وغيرهما من قادة القطاع مراراً على أن الهجرة هي إحدى ركائز القدرة التنافسية التكنولوجية الأمريكية. وفي الواقع، تواجه أمريكا اليوم، للمرة الأولى منذ تأسيسها، صافي هجرة سلبي: أي، إن عدد من يغادرون أمريكا أصبح أكبر من عدد من يدخلون إليها، وهذه إشارة سلبية للغاية.
أما على مستوى التضخم، فإن ضغوط الأسعار لم تنخفض فعلياً كما ينبغي. وقد زرت أمريكا منذ وقت قريب، وكان شعور الناس العاديين بالتضخم مباشراً وواضحاً جداً. ثم هناك، على المستوى السياسي، قضية شديدة الإرباك أيضاً: قضية إبستين والتي ما تزال تتفاعل باستمرار. ومع تقدّم القضية، أخذت المخاطر السياسية ترتفع. ومن غير المستبعد أن يكون لدى ترامب دافعاً لتحويل الأنظار عن الداخل، من خلال عمل عسكري خارجي.
وأخيراً، فإن إحدى الأدوات المهمة التي كان يمسك بها ترامب: حرب الرسوم الجمركية، تلقت هي الأخرى ضربة قاسية. فمنذ وقت قريب، قضت المحكمة العليا الأمريكية بأن سياسة ترامب الجمركية تفتقر إلى الأساس القانوني، وأنها غير قانونية. وبدأت الولايات والشركات تصطفّ للمطالبة بردّ ما مجموعه نحو 150 مليار دولار من الرسوم التي سبق دفعها. وبعد ذلك حاول ترامب الاستناد إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 لإضافة 10% من الرسوم تحت عنوان «حالة طوارئ»، لكن صلاحية هذه المادة لا تتجاوز 150 يوماً، وبعد انقضاء هذه المدة لا يمكن تمديد العمل بها إلا بموافقة الكونغرس. وفي الوقت نفسه، بدأ المجتمع الدولي يُعيد ترتيب طريقة تعامله. فالدول التي كانت متعجلة سابقاً للوصول إلى صفقة مع ترامب بدأت تُبطئ خطواتها، مثل: اليابان والهند وفيتنام وغيرها، إذ شرعت في الترقب، أو تعليق المفاوضات.
لكن بغضّ النظر عن أيّ من هذه الأسباب كان الأهم، فقد اختار ترامب في النهاية حرباً دون إعداد، ودون استراتيجية، ودون انتشار لاحق. وكان حكمه الأساسي، هو أنه إذا تمكن من التخلّص من المرشد الأعلى الإيراني، فإن انقلاباً سيقع داخل إيران، وسينزل الناس إلى الشوارع، وستتمكن أمريكا عندها من دعم سلطة جديدة وتحقيق تغيير النظام. وبرأيي، مآلات هذه الحرب لا تسير وفقاً لما يريده الأمريكيون و«الإسرائيليون»، والواقع يثبت لنا ذلك أكثر فأكثر.
الانقسام الأمريكي حول الحرب
علينا أن نرى أن أمريكا تعيش حالياً حالة انقسام حاد. فمنذ تسارع العولمة، كانت إحدى أكبر نتائجها السلبية، هي: التمزق العميق داخل المجتمع الأمريكي. والسبب الجذري لهذا الانقسام هو بطبيعة الحال الاختلال الشديد في توزيع الفوائد الناتجة عن العولمة، إذ استحوذ رأس المال الكبير في وول ستريت على الحصة الأكبر من هذه المكاسب.
في ثمانينيات القرن الماضي، وقبل أن تنطلق العولمة على نطاق واسع، كان نحو 20% من الأمريكيين يملكون 80% من ثروة البلاد. أما اليوم، وبعد عقود من التطور، فإن أعلى 4% من السكان باتوا يملكون نحو 95% من الثروة. ومثل هذا الفارق الهائل لا بد أن يقود إلى انقسام سياسي، يقف طرفاه في حالة مواجهة لا هوادة فيها.
كذلك القوى التي يمثلها الحزب الديمقراطي، ترفض بغالبيتها هذه الحرب رفضاً قاطعاً. وأسباب رفضهم بسيطة وواضحة، ويمكن تلخيصها في ثلاث نقاط.
أولاً: عدم حصول ترامب على تفويض من الكونغرس.
ثانياً: إنهم يرون أن هذه الحرب تتعارض مع مصلحة أمريكا. فإذا أرادت واشنطن تنفيذ تغيير النظام في بلد كبير مثل/ إيران، فذلك مستحيل من دون قوات برية. ولم يحدث في التاريخ الأمريكي قطّ أن تم إسقاط نظام من خلال الضربات الجوية وحدها. حتى العملية السابقة ضد مادورو لم تُنتج في النهاية إلا «نظام مادورو بلا مادورو»، أي، إن البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في فنزويلا لم تتغير. بالمثل، فإذا أرادت أمريكا إسقاط النظام في إيران، فإن الضربات الجوية وحدها لن تنجح أبداً. وهذا لا يخدم مصلحة أمريكا، بل قد يورّطها في مستنقع أعمق وأكثر صعوبة في الخروج منه.
ثالثاً: يرى الديمقراطيون أن هذه الحرب تدمّر مصداقية أمريكا أكثر فأكثر. منذ عودة ترامب إلى السلطة، تعرّضت مصداقية أمريكا بالفعل لتآكل كبير، وبدأت الشقوق تظهر في منظومة حلفائها.
هناك أمر آخر يجدر التوقف عنده، وخاص بمؤيدي ترامب السابقين. ففي وثيقتين أمريكيتين مهمتين صدرتا قبل فترة غير بعيدة، هما استراتيجية الدفاع الوطني، واستراتيجية الأمن القومي، جرى التأكيد مراراً على نقطة واحدة: وهي أن التيار التقليدي السابق، سواء في عهد بايدن أو قبله مع جورج بوش الابن وبومبيو وغيرهما، جعل أمريكا «تتحمل أعباء العالم كله» بسبب تبنّيه النزعة التدخلية. وكان أحد الشعارات المهمة التي صعد بها ترامب إلى السلطة هو: «لن نفعل ذلك بعد الآن، نحن ضد التدخلية بحزم».
لكن ما الذي حدث الآن؟ ما إن عاد إلى الحكم حتى خاض عملية ضد فنزويلا، ولم يكتفِ بها، بل ذهب ليخوض حرباً في الشرق الأوسط، على بعد آلاف الأميال. والجميع يعرف أن الشرق الأوسط مستنقع فوضوي لا ينبغي التورط عميقاً فيه. وبذلك، فإنه يخالف تماماً ما تعهّد به في البداية. وبالتعبير المباشر: لقد نسي شعاره الأول. لهذا السبب، بدأت حتى بعض الأوساط المحافظة التي كانت تؤيده سابقاً تتراجع عن دعمه. وهذا ظاهر جداً، وخصوصاً داخل معسكر «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد»، حيث بدأت الأصوات المؤيدة لهذه الحرب تضعف.
والآن، لم يبق إلا نوعان من الناس يدعمان الحرب: نوع يملك مصلحة مباشرة، وهم أباطرة النفط، لأن إيران بلد نفطي. ونوع آخر هو اليمين التسارعي في وادي السيليكون، لأن الحرب تعني أن نماذجهم الكبرى ستُباع إلى البنتاغون، وأن ذلك سيساعد في دفع ما يسمونه «تسريع الذكاء الاصطناعي» إلى الأمام. لكن هذا موضوع آخر يحتاج وحده للحديث.
الرد الإيراني
إذا نظرنا إلى العمليات الحالية، فإن استراتيجية الردّ الإيرانية تظهر فيها ثلاث سمات جديدة.
أولاً: أنها استهدفت جميع الدول التي سمحت لأمريكا بإقامة قواعد عسكرية على أراضيها. وبمعنى ما، لم تكن تضرب أمريكا أو «إسرائيل» مباشرة بقدر ما كانت توجّه إنذاراً إلى الدول التي «تتعاون مع أمريكا»، والمعنى هنا هو: أنتم تسمحون للجنود الأمريكيين بالإقامة في فنادقكم واستخدام قواعدكم لضربي، إذن سأجعلكم أنتم أيضاً تدفعون الثمن. هذه المرة، يمكن القول: إن إيران مزّقت كل الواجهات.
ثانياً: إن إيران استخدمت بالفعل بعض الأسلحة الأكثر تطوراً. فمثلاً: استخدمت في الهجوم على حاملة الطائرات «لينكولن» أربعة صواريخ فرط صوتية، ورغم أنها لم تصب الهدف في النهاية بسبب عدم دقة منظومة التحديد، فإن ذلك يثبت على الأقل أنها تملك القدرة على تنفيذ هجوم من هذا النوع. كما بدأت إيران تضرب أهدافاً عالية القيمة، مثل: قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي وأنظمة الرادار «بعد إجراء المقابلة بيومين تم تدمير مجموعات رادار أكثر في دول أكثر». وهذه أهداف كانت أمريكا ربما تعتقد أن إيران لا تجرؤ على ضربها، أو على الأقل ستقوم بإبلاغ مسبق قبل ذلك، لكن هذه المرة لم يحدث شيء من هذا. كما فرضت حصاراً انتقائياً على مضيق هرمز. وكل هذه التحركات تدل على أن قوة الرد، من حيث الشدة واتساع النطاق، قد تقدمت خطوة إلى الأمام فعلاً قياساً بما سبق.
ثالثاً: إن اغتيال خامنئي جعل الداخل الإيراني أكثر تماسكاً. فالرد الإيراني الواسع الحقيقي لم يبدأ إلا بعد التأكيد الرسمي لمقتله، بما في ذلك الهجوم على «لينكولن»، والهجوم على الأسطول الأمريكي، وضرب فنادق في دبي، قيل إنها تؤوي عسكريين أمريكيين. ويمكن القول: إن حجم الردّ هذه المرة وشدته أكبر بكثير من السابق.
لكن رغم ذلك، ما زال لدى إيران قدر من التحفّظ. ويمكن تفسير هذا التحفّظ بطريقتين.
التفسير الأول: هو أن إيران تستخدم أولاً صواريخ قديمة من المخزون لاستنزاف قدرات الدفاع الجوي الأمريكية والإسرائيلية، ثم، بعد إضعاف هذه الدفاعات، انتقلت إلى المستوى الأكثر تطوراً. تؤكد الأخبار أن إيران دمّرت راداراً تابعاً لمنظومة THAAD في البحرين، علماً أن رادار هذه المنظومة أهم من الصاروخ نفسه، وضرب مثل هذا الهدف عالي القيمة يعني أن إيران تملك بالفعل قدرة على إصابة أهداف دقيقة ومهمة «بعد المقابلة تم تدمير منظومات ثاد في كل من الأردن والإمارات أيضاً». إذن فالمشكلة ليست فيما إذا كانت إيران تملك القدرة، بل فيما إذا كانت مستعدة لاستخدام هذه القدرة، وما إذا كانت تجرؤ على استخدامها، وما هي الاعتبارات التي تقيّدها. وعلى العموم، فإن القوة العسكرية الإيرانية، بالمقارنة مع أمريكا وإسرائيل، ما تزال أضعف بكثير من الناحية التدميرية والتكنولوجية، والفارق بين الطرفين ليس بسيطاً.
لهذا السبب، فالاستراتيجية الواقعية المتاحة أمام إيران هي «الإطالة». فإذا تمكنت من تحويل الحرب إلى حرب طويلة، فإن ذلك بحد ذاته يُعدّ مكسباً لها. أما أمريكا فترغب في حسم سريع. في الوقت الراهن، تمتلك أمريكا مجموعتي حاملة طائرات فقط في المنطقة، كما أن مخزونها من الذخائر ليس كبيراً أصلاً. ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، والحاجة إلى الحفاظ على وجود عسكري في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، فإن المخزون الأمريكي وقدرته على إعادة ملء هذا المخزون يواجهان ضغوطاً كبيرة. وإذا استمرت الحرب كما قال ترامب «أربعة أسابيع»، فإن مخزون الذخائر الأمريكية قد يقترب من النفاد.
إذا كان القادة في إيران يتصرفون بعقلانية، فإن هدفهم واضح: توحيد الداخل وإطالة أمد الحرب. وكلما طالت الحرب، أصبح الوضع أكثر صعوبة بالنسبة إلى ترامب وإسرائيل، لأنهما لا يستطيعان تحمل حرب طويلة. من خلال الوضع الحالي، يبدو أن حدة الصراع ومدته قد تستمران في الارتفاع. وهذا يعني أن دول المنطقة، بل وحتى قوى خارجية أوسع، لن يكون من السهل عليها البقاء خارج دائرة التأثير. كما أن مضيق هرمز، باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم، يكتسب أهمية استثنائية. ومواقف الدول الأوروبية، وكذلك اعتبارات أمن الطاقة لدى الاقتصادات الكبرى، قد تصبح عوامل مؤثرة في اتجاه الأحداث.
وبما أننا ذكرنا الطاقة، لا بد من الإشارة إلى الموقع الجغرافي الخاص لإيران. فمضيق هرمز يمر عبره نحو 30% من النفط المنقول بحراً في العالم، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال. من منظور أمن الطاقة، إلى أي مدى يمكن أن يضرب هذا الصراع إمدادات الطاقة العالمية وثقة الأسواق؟ وهل قد يثير موجة جديدة من الاضطراب الاقتصادي؟
أعتقد أن احتمال الاضطراب كبير جداً. أولاً: يجب توضيح نقطة مهمة: إن موقف أمريكا والغرب من النفط الإيراني يختلف عن موقفهم من النفط الروسي. فبالنسبة إلى روسيا، كان هناك حظر شامل تقريباً. أما بالنسبة إلى إيران، فلم يحدث قطع كامل. فاليابان والهند والصين ما تزال تستورد، وكذلك بعض الدول الأوروبية ما تزال تستورد النفط والغاز الإيرانيين. ولذلك، إذا تصاعدت الأوضاع، فإن ذلك سيؤثر مباشرة في شرايين الطاقة لبعض الاقتصادات.
إيران تدرك جيداً الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز. فإذا بقيت السفن الحربية الأمريكية بعيداً، فقد لا تتمكن إيران من إصابتها. لكن إذا دخلت إلى المضيق، فإنها تصبح ضمن مدى النيران الإيرانية بالكامل. ويمكن القول: إن إصابتها تصبح عندها مسألة سهلة. وقد أصابت إيران بالفعل ثلاث ناقلات نفط، ما يعني أنها بدأت عملياً فرض الحصار. فهل تجرؤ أمريكا على الدخول لحماية السفن؟ على الأرجح لا، لأن الدخول يعني الوقوع مباشرة تحت المدافع الإيرانية. «بعد إجراء المقابلة بدأت إيران سيطرتها الانتقائية واستهداف السفن التجارية وناقلات النفط الأمريكية والأوروبية».
التفسير الثاني: إن أمريكا بلد قائم على السيارات، ومن دون النفط لا يمكن للحياة أن تستمر فيه بصورة طبيعية. ولذلك فإن أسعار الطاقة تؤثر بشدة في الأسعار داخل أمريكا. وكان أحد الوعود الرئيسية لترامب عند وصوله إلى السلطة هو خفض الأسعار، والوسيلة الأساسية لذلك كانت خفض أسعار الطاقة. لأن ارتفاع سعر النفط يعني مباشرة ارتفاع السعر في محطات الوقود. وقد ارتفع سعر البنزين في أمريكا بالفعل من 3.29 دولارات قبل الحرب إلى 3.79 دولارات بعد يومين فقط من الحرب «بعد المقابلة وخلال أقل من أسبوع ارتفعت أسعار البنزين 14٪ في الولايات المتحدة». وهذا يخلق ضغطاً كبيراً داخل أمريكا. فارتفاع أسعار الوقود في محطات البنزين، يعني أن سلسلة الأسعار بأكملها ترتفع معها. وهذه ليست مجرد مسألة طاقة، بل مسألة تضخم. وإذا عاد التضخم إلى الارتفاع، فإن الاقتصاد الأمريكي، الذي يعيش حالة «سخونة زائفة»، لن يكون قادراً على تحمّل ذلك.
الاقتصاد الأمريكي يخشى أمرين أكثر من غيرهما: البطالة الواسعة، والتضخم. وغالباً ما يأتي الاثنان معاً. فالتضخم يرفع التكاليف على الشركات، ما يدفعها إلى تقليص نشاطها وعدم التوسع في التوظيف، فتزداد البطالة. والبطالة تعني أن الناس لا يملكون المال، ومع ارتفاع الأسعار تصبح الأوضاع الاجتماعية أكثر توتراً. ولذلك فإن وضع مضيق هرمز مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى أمريكا.
أما بالنسبة إلى إيران، فإن إحدى أكثر الطرق فاعلية لضرب أمريكا هي رفع أسعار الطاقة عبر مضيق هرمز. ورغم أن أمريكا ليست دولة مستوردة صافية للطاقة، فإن رأس المال الأمريكي شديد الحساسية تجاه أسعار الطاقة، كما أن الشركات لن تفوّت فرصة تحقيق أرباح من ارتفاع الأسعار. وقد بدأ النفط بالفعل بالارتفاع، وتبعه ارتفاع أسعار الطاقة في أمريكا. وهذا هو الأثر المباشر الأول.
الأثر الثاني: يتعلق بمن يستفيد من ارتفاع النفط. والجواب واضح: روسيا. فالصادرات الرئيسية لروسيا هي الطاقة. عندما يرتفع النفط، تصبح روسيا أكثر ثراءً، وعندما ينخفض، تصبح أكثر فقراً.
أما التأثير الثالث على الاقتصاد العالمي، فيظهر في ثلاثة مجالات رئيسية.
المجال الأول: هو انخفاض ثقة الأسواق. ففي الأسواق المالية توجد دائماً قوى شراء وقوى بيع. وكان كثيرون قد توقعوا الحرب مع إيران، ولذلك استعدوا مسبقاً عبر المضاربة على ارتفاع النفط. فإذا كان سعر النفط الحقيقي مثلاً 50 دولاراً للبرميل، فقد يرتفع بعد الحرب إلى 60 دولاراً. لكن بسبب دخول كميات كبيرة من رؤوس الأموال عبر العقود الآجلة والرافعة المالية، فقد يصل السعر فعلياً إلى 80 أو حتى 90 دولاراً للبرميل. وهذه المضاربات تضخّم ارتفاع الأسعار، وتأثيره «وصل السعر فعلياً بعد المقابلة إلى 90 دولار، وقد تنبأ بنك Barclays بإمكانية وصوله إلى 120 دولاراً إذا استمرت الحرب عدة أسابيع».
ولهذا السبب، ما إن اندلعت الحرب حتى تكثفت مكالمات المؤتمرات الهاتفية في الأوساط المالية، لأن المسألة ليست مجرد أسعار طاقة، بل اتجاه الأسواق المالية بأكملها. فالطاقة هي المحرك، وهي التي تعيد تسعير كثير من الأصول الأخرى. والشيء الذي لا تستطيع أمريكا تحمّله الآن هو انهيار مالي، مثلما حدث عام 2008. فلو حدث تدافع مالي جديد، فإن العواقب ستكون خطيرة للغاية. وفي الوقت الحالي، نرى الذهب يرتفع، والنفط يرتفع، بينما البيتكوين والعملات الرقمية تهبط، وهذا يعكس حالة خوف في السوق وإعادة توزيع للأموال.
المجال الثاني: هو تأثير ضخم على سلاسل الإمداد العالمية. فبداية أي سلسلة إنتاج في النهاية هي الطاقة والموارد. سواء كنت تصنع سيارات أو بلاستيك أو منتجات تكنولوجية عالية أو تولّد الكهرباء، فإن كل هذه الصناعات تعتمد في بدايتها على الطاقة. فإذا انقطعت الطاقة، يصبح الأمر كما لو أن الإنسان انقطع عنه الغذاء. وإذا أُغلق مضيق هرمز، فإن أكثر من 40% من النفط العالمي لن يتمكن من الخروج إلى الأسواق، وستضطر كل الصناعات التي تعتمد على هذا النفط إلى إعادة ترتيب سلاسلها الإنتاجية. وهذه ليست عملية بسيطة، بل عملية ذات تكلفة هائلة.
المجال الثالث: هو تحوّل كبير في اتجاه الثروة العالمية. فقد تدفقت رؤوس الأموال في السابق بكثافة إلى الشرق الأوسط لأن المنطقة كانت توفر أربعة شروط يفضلها رأس المال: القدرة على حفظ القيمة، والاستقرار النسبي، وإمكانية التنبؤ بالسياسات، ووفرة الموارد. لكن عندما تبدأ الحرب، فإن رأس المال يبدأ بالانتقال إلى أماكن أخرى. وحين تتحرك الثروة، يتحرك معها الاقتصاد، وهذا يولد قدراً كبيراً من عدم اليقين. والاقتصاد العالمي يخشى أكثر ما يخشاه عدم القدرة على التنبؤ.
وأخيراً، إن هذه الحرب تبعث أيضاً إشارة سلبية جداً للتجارة العالمية. فالتجارة تبدأ أيضاً من الطاقة، وإذا اضطربت الطاقة، فإن سلسلة التجارة كلها تهتز. وبالنسبة إلى أمريكا وأوروبا، اللتين تعتمدان بشدة على اقتصاد السوق والتجارة العالمية، فإن هذا خبر سيئ بلا شك.
من هذا المنظور، أعتقد أن الرهان الذي وضعه ترامب هذه المرة كبير جداً، وأن الثمن الحقيقي لم يظهر بعد بالكامل. ولذلك بدأ الآن يرسل إشارات بأنه مستعد للتفاوض مع القيادة الجديدة، وأنه منفتح على المحادثات. وهذا في الحقيقة نوع من التراجع عن موقفه السابق. بل إنني أحياناً أتساءل: كثيرون يسألون «كم تستطيع إيران أن تصمد؟»، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: كم تستطيع أمريكا وترامب أن يصمدا؟
أود أن أقدّم توقعاً جريئاً: قد يحدث قريباً سيناريو يشبه ما حدث بعد «حرب الاثني عشر يوماً» العام الماضي. حينها أعلنت إسرائيل النصر، وقالت: إنها وجهت ضربة قوية لإيران؛ وأعلنت أمريكا النصر، وقالت: إنها نجحت في ضرب إيران، وأعلنت إيران أيضاً النصر، وقالت: إنها صمدت في وجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي. وبعد ذلك، أعلن الجميع النصر كل بطريقته، وتوقف القتال وعاد كل طرف إلى موقعه. هذا هو أكثر السيناريوهات عقلانية، وربما أكثرها حفظاً لماء الوجه.
لكن السؤال هو: هل يمكن أن تسير الأمور بهذا الشكل؟ لا أحد يعرف. الإيرانيون يقولون بوضوح: يمكنكم بدء الحرب، لكن طريقة إنهائها ليست بأيديكم. فإذا قالت أمريكا: «نحن لا نريد القتال بعد الآن»، وقالت إيران: «لم ننتهِ بعد»، واستمرت في ضرب القواعد الأمريكية، أو في ضرب إسرائيل، فماذا ستفعل أمريكا؟ هل ستواصل الحرب أم ستنسحب؟
الإيرانيون يدركون جيداً أن ترامب وإسرائيل لا يستطيعان تحمّل حرب طويلة. واستراتيجية إيران ليست هزيمة أمريكا عسكرياً، بل إبقاءها مشغولة ومستنزفة. فإذا بقيت أمريكا عالقة في هذا الصراع، فإن إيران تعتبر نفسها قد حققت هدفها. وإذا كانت القيادة الإيرانية تتصرف بعقلانية، فمن المحتمل أن تكون تسير بالفعل وفق هذا المنطق.
هوانغ جينغ