جيمس بيتراس: صوتٌ جذري منحاز لتحرر الشعوب ورحيلٌ صامت

جيمس بيتراس: صوتٌ جذري منحاز لتحرر الشعوب ورحيلٌ صامت

في السابع عشر من كانون الثاني 2026، رحل عن عالمنا المفكر وعالم الاجتماع الأمريكي جيمس بيتراس، تزامناً مع عيد ميلاده التاسع والثمانين، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً نقدياً ثرياً. لكن رحيله مرَّ كهمس خافت في الأوساط الإعلامية والأكاديمية، في صمتٍ يعكس المكانة التي تحفظها المؤسسات الغربية للأصوات الراديكالية المنحازة لقضايا الشعوب. غير أن صمت الغرب عن رحيله لا يقل أهمية عن الضجيج الذي أحدثته أفعاله وكتاباته طوال خمسة عقود، إذ كرّس حياته لتشريح الإمبريالية والرأسمالية، ووقف بجذريته إلى جانب حركات التحرر الوطني في الجنوب العالمي.

 مناضل في قلب حراك الجنوب

لم يكن بيتراس أكاديمياً برجاً عاجياً يكتفي بالتنظير، بل كان مفكراً عضوياً ارتبط مصيره بنضالات الشعوب. وُلد لعائلة مهاجرة من الطبقة العاملة في ماساتشوستس، وحمل منذ نشأته حساسية عميقة تجاه الظلم الاجتماعي. لكن مساره الفكري قاده ليكون أكثر من مجرد أستاذ جامعي في جامعة بينغهامتون؛ لقد كان مشاركاً فاعلاً في صياغة أحداث التاريخ.

فعلى مدى عقود، عمل بيتراس مستشاراً للرئيس التشيلي سلفادور أليندي (1970-1973)، ولرئيس الوزراء اليوناني أندرياس باباندريو (1981-1984)، وكان مقرباً من تجربة الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز. كما شارك في محكمة برتراند راسل حول القمع في أمريكا اللاتينية بين 1973 و1976، وتعاون بشكل وثيق مع حركة العمال الريفيين اللا عاديين (MST) في البرازيل وحركة العمال العاطلين عن العمل في الأرجنتين. هذا الانخراط الميداني جعل من كتاباته أدوات لفهم الواقع، لا مجرد نصوص نظرية مجردة.

 

 تشريح الإمبريالية لصالح الجنوب

في قلب مشروع بيتراس الفكري، كان هناك سؤال مركزي: كيف تعيد الإمبريالية إنتاج نفسها في أشكال جديدة؟ لقد رفض بسخرية نظريات ما بعد الحداثة التي تحدثت عن «موت الإمبريالية» أو تلاشي الدولة في زمن العولمة. بدلاً من ذلك، قدّم بيتراس تحليلاً مادياً صارماً لآليات السيطرة الاستعمارية الجديدة.

لقد ميّز بيتراس بين مراحل الهيمنة الغربية: من الاستعمار المباشر بجيوشه، إلى نظام «الكومبرادور» (الوكلاء المحليين من البرجوازية الوطنية) الذين حكموا نيابة عن المستعمر بعد الاستقلال الشكلي. ثم قدّم مفهومه الأكثر ابتكاراً: «الكومبرادور الجدد» (Neo-compradors). وهذه الفئة، بحسب تحليله، هي نخب فكرية وقيادات منظمات غير حكومية تنحدر من الطبقات الوسطى والدنيا، لكنها تتسلق السلم الاجتماعي عبر تمويل غربي من مؤسسات كـ«المنتدى القومي للديمقراطية» (NED) ومؤسسات سوروس. هؤلاء يروّجون لخطاب «حقوق الإنسان» و«التمكين» و«المساواة بين الجنسين» بأجندة تخدم مصالح الإمبريالية، وتحوّل النضال السياسي إلى سوق عمل للمثقفين العاطلين، وتفرغ المفاهيم التحررية من محتواها الثوري.

 

 القضية الفلسطينية: اختبار الانحياز الحقيقي

إذا كان هناك معيار لقياس مدى جذرية بيتراس وانحيازه لشعوب الجنوب، فهو موقفه من القضية الفلسطينية. لم يكن موقفه مجرد تضامن شكلي، بل كان تحليلاً عميقاً لطبيعة الكيان الصهيوني كأداة مركزية في المشروع الإمبريالي. في كتابه «جرائم حرب في غزة والطابور الخامس الصهيوني في أمريكا» (2010)، وثّق بيتراس بالتفصيل حرب الإبادة على غزة (2008-2009)، مستنداً إلى التقرير الأصلي للقاضي ريتشارد غولدستون.

هنا يقدّم بيتراس أدلة دامغة على جرائم الحرب الإسرائيلية؛ الحصار الخانق للغذاء والدواء، الاستهداف الممنهج للمدنيين والمنازل والمدارس ومقرات الأمم المتحدة، استخدام أسلحة محرّمة كالفوسفور الأبيض، والتدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية كمحطات المياه والمنشآت الزراعية. ويخلص إلى أن هذه الأفعال ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».

لكن بيتراس لم يكتفِ بتوثيق الجرائم، بل تجاوز ذلك إلى كشف البنية الداعمة لها. قدّم مفهوماً أثار جدلاً واسعاً هو «تكوين القوة الصهيونية» (ZPC)، محللاً كيف تمارس لوبيات ومنظمات يهودية أمريكية بارزة (كـ«أيباك» ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى) هيمنة غير طبيعية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة. في كتابيه «قوة إسرائيل في الولايات المتحدة» (2006) و«الصهيونية والعسكرية وتراجع القوة الأمريكية» (2008)، جادل بيتراس بأن هذه القوى هي المحرك الرئيسي لدفع واشنطن نحو حروب في الشرق الأوسط، خاصة ضد العراق وإيران، لمصلحة إسرائيل لا لمصلحة الشعب الأمريكي.

في قراءته، إسرائيل ليست «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» كما تروّج دعايتها، بل هي «قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة» و«كيان استيطاني عنصري». وهو ينتقد بشدة الرؤساء الأمريكيين والكونغرس الذين وصفهم بأنهم «مستسلمون» لهذا اللوبي. بل وذهب إلى أبعد من ذلك في تحليله للعلاقة بين الإبادة الجماعية في فلسطين والتواطؤ الغربي، معتبراً أن «المشكلة ليست في إرهاب الدولة «الإسرائيلي»، بل في كيفيّة تلاعب وسائل الإعلام الجماهيرية بنزع فتيل غضب المجتمع الدولي»، وأن البيت الأبيض والكونغرس «مواليان للصهيونية».

 

 إرث من الشجاعة الفكرية

لم تخلُ مسيرة بيتراس من الجدل والاتهامات المتكررة بمعاداة السامية، خاصة من منظمات مثل «رابطة مكافحة التشهير» (ADL) ومن نقاد يساريين اعتبروا لغته «تآمرية» و«قريبة من خطاب اليمين المتطرف». لكن بيتراس ورفاقه من اليسار الراديكالي رأوا في هذه الاتهامات مجرد أداة لخنق النقد المشروع لإسرائيل، ورفضها بشدة معتبراً أن تحليله يستهدف الصهيونية كلوبي سياسي لا اليهود كعرق أو ديانة.

في النهاية، يبقى جيمس بيتراس نموذجاً نادراً للمفكر الذي جعل من معرفته سلاحاً في معركة التحرر. لقد أفنى عمره مدافعاً عن كرامة شعوب الجنوب، من عمال الأرجنتين إلى فلاحي البرازيل، ومن أطفال غزة إلى مقاومي الاحتلال في فلسطين. وبينما تجاهل الغرب رحيله، تبقى كتاباته وأفعاله شاهدة على أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تنحاز إلى الحق، وتقف إلى جانب المقهورين في نضالهم ضد الإمبريالية والهيمنة. رحل بيتراس بهدوء، لكن صرخته المدوية ضد الظلم ستظل تتردد في أروقة النضال التحرري حول العالم.