حرمان متقاعدي الحسكة من رواتبهم
يتحول قرار إلغاء توزيع رواتب المتقاعدين داخل محافظة الحسكة، وإيقاف تحويلها عبر شركتي «الهرم» و«الفؤاد»، إلى قضية معيشية ضاغطة تمس حياة آلاف العائلات، وسياسة تضاعف المعاناة وتدفع الناس نحو المجهول.
فبدلاً من تسهيل وصول الرواتب إلى أصحابها، بات آلاف المتقاعدين مجبرين على التوجه إلى محافظة دير الزور لاستلام مستحقاتهم، وهو ما ينطوي على تجاهل صارخ للواقع المعيشي والإنساني لهذه الشريحة.
هذا الإجراء يأتي في وقت يعاني فيه السكان أساساً من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل أي عائق إضافي أمام وصول الرواتب بمثابة ضربة مباشرة للاستقرار المعيشي لعائلات كاملة تعتمد على دخل المتقاعدين كمصدر أساسي للبقاء على قيد الحياة.
رحلة الراتب… طريق مكلف ومحفوف بالمخاطر
تحولت عملية استلام الراتب من إجراء روتيني إلى رحلة شاقة تتطلب قطع مسافات طويلة، وتحمل تكاليف نقل مرتفعة مقارنة بقيمة الراتب نفسه. ولا تقتصر المعاناة على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى مخاوف مرتبطة بظروف الطريق والتوترات التي قد تشهدها بعض المناطق.
بالنسبة لكثير من المتقاعدين، خاصة كبار السن أو من يعانون أمراضاً مزمنة، فإن السفر لساعات طويلة يمثل عبئاً صحياً خطيراً، ويضعهم أمام مخاطر لا تتناسب مع حق أساسي يتمثل بالحصول على مستحقاتهم المالية.
استنزاف مباشر لقيمة الراتب
وفي ظل تدني قيمة الرواتب أساساً، يصبح إنفاق جزء منها على تكاليف السفر أمراً أشبه باقتطاع غير مباشر من دخل المتقاعد. فالمبلغ الذي يفترض أن يذهب لتأمين الغذاء والدواء يتحول إلى تكاليف مواصلات وإقامة، ما يدفع كثيراً من العائلات إلى تقليص احتياجاتها الأساسية.
هذا الواقع يوسع دائرة الفقر، خصوصاً في ظل غياب أي إجراءات تعويضية أو حلول بديلة تخفف العبء عن المتقاعدين.
تعطّل المؤسسات الحكومية… إغلاق باب البدائل القانونية
يزيد الوضع تعقيداً توقف عدد من المؤسسات الحكومية في محافظة الحسكة عن العمل، وهو ما يعيق قدرة المتقاعدين على تنظيم وكالات قانونية لأحد الأقارب أو المعارف لاستلام الرواتب نيابةً عنهم. ففي الظروف الطبيعية، كانت الوكالة القانونية تشكل حلاً عملياً لكبار السن أو المرضى أو غير القادرين على السفر، لكنها اليوم أصبحت شبه مستحيلة بسبب توقف الإجراءات الإدارية المرتبطة بتنظيمها وتصديقها.
هذا الواقع يغلق أحد آخر منافذ التخفيف عن المتقاعدين، ويجبرهم عملياً على السفر بشكل شخصي مهما كانت ظروفهم الصحية أو المادية، ما يعكس عمق الأزمة الإدارية والخدمية التي تضرب واحداً من أكثر الملفات حساسية اجتماعياً.
انعكاسات اجتماعية تتجاوز الأفراد
لا يقتصر تأثير القرار على المتقاعدين وحدهم، بل يطال عائلاتهم التي تعتمد على هذه الرواتب كمصدر دخل رئيسي. وفي ظل التدهور الاقتصادي العام، فإن أي تأخير أو صعوبة في استلام الراتب ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والمعيشي للأسر.
ويحذر مراقبون من أن استمرار مثل هذه الإجراءات قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان الاجتماعي، ويعمق الشعور بعدم الأمان المعيشي لدى شرائح واسعة من السكان.
غياب الحلول… وأزمة ثقة متصاعدة
الأخطر في هذا الملف، بحسب متابعين، ليس القرار بحد ذاته فقط، بل غياب أي بدائل عملية تضمن وصول الرواتب بشكل آمن وسهل. فالمتقاعدون يواجهون واقعاً يفرض عليهم تحمّل أعباء إضافية دون أي إجراءات لحمايتهم أو دعمهم.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول أولويات السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ويكشف فجوة متزايدة بين احتياجات المواطنين والقرارات الإدارية المرتبطة بحياتهم اليومية.
حق معيشي لا يحتمل التأجيل
إن تأمين وصول رواتب المتقاعدين لا يمكن التعامل معه كملف إداري عادي، بل كحق معيشي أساسي يرتبط بكرامة الإنسان وأمنه الاجتماعي. واستمرار الوضع الحالي يعني عملياً دفع شريحة واسعة من كبار السن نحو مزيد من الفقر والضغط المعيشي.
اليوم، يقف متقاعدو الحسكة أمام معادلة قاسية: رواتب موجودة نظرياً، لكنها عملياً تتطلب رحلة مرهقة وخطرة للحصول عليها. وبين الطريق الطويل والتكاليف المرتفعة، تتكشف أزمة أعمق عنوانها سياسات معيشية لا تراعي هشاشة الفئات الأكثر حاجة للحماية.