حياد الدولة ليس اقتصاداً... بل ليبرالية متوحشة على حساب الفقراء

حياد الدولة ليس اقتصاداً... بل ليبرالية متوحشة على حساب الفقراء

في مقابلة عبر تلفزيون سورية بتاريخ 3 شباط 2026، قدّم مدير حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والصناعة والتجارة خلاصة الموقف الرسمي من السوق اليوم: الدولة لا تحدد الأسعار، تكتفي بفرض الإعلان عنها، تراقب عبر «سبر السعر»، وتغض الطرف مؤقتاً عن التسعير بالدولار طالما أُرفق بسعر بالليرة السورية. أما الخلاصة المطمئنة، فكانت أن البضائع «متوفرة» مع التركيز على السلة الأساسية من غذائيات ولحوم وألبان وأجبان.

هذا الخطاب ليس تقنياً ولا عابراً، بل تجسيد صريح لسياسات نيوليبرالية تُطبق بأبسط أشكالها وأكثرها قسوة ووحشية؛ تحرير الأسعار دون تحرير الدخل- ورفع يد الدولة دون بناء أي شبكات حماية اجتماعية.

السوق التنافسي... الشعار الذي يبرر الانسحاب

في الأدبيات الاقتصادية، يُسوَّق «اقتصاد السوق الحر التنافسي» بوصفه وصفة للنمو والكفاءة. لكن ما يُطبق اليوم لا علاقة له لا بالحرية ولا بالتنافس، بل هو تفكيك متعمد لدور الدولة التنظيمي وترك السوق لقانون القوة.
الدولة، وفق هذا المنطق، ليست مسؤولة عن حماية المستهلك، بل عن «عدم التدخل». ليست مسؤولة عن العدالة السعرية، بل عن «الشفافية» الشكلية عبر الإعلان عن السعر. وهكذا يتحول مفهوم حماية المستهلك من سياسة عامة إلى لافتة فارغة.

الدولرة كأمر واقع

القول إن التسعير بالدولار ممنوع، مع غض الطرف عنه عملياً، يكشف جوهر اللبرلة المتوحشة المحلية؛ شرعنة الأمر الواقع الاقتصادي بدل مواجهته. فبدل معالجة أسباب انهيار العملة، يُطلب من المواطن أن يتأقلم مع تسعير مزدوج، ومع سوق تتعامل معه كطرف ضعيف قابل للابتزاز اليومي.
هذه ليست مرونة اقتصادية، بل تحميل مباشر للأزمة على الفئات الأضعف، وهو أحد الأعمدة الأساسية للسياسات النيوليبرالية عالمياً.

وفرة السلع... وفقر الناس

تكرار مقولة «البضائع متوفرة» يعكس منطق السوق التوحشي القائم على الأرقام لا البشر. فالسوق ناجح طالما الرفوف ممتلئة، حتى لو كانت جيوب الناس فارغة. أما السؤال عن القدرة الشرائية، فيُترك خارج النقاش، وكأنه شأن فردي لا علاقة له بالسياسات العامة.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن «السلة الأساسية» نوعاً من التجميل الخطابي لواقع تُترك فيه أسعار الغذاء الأساسية بلا سقوف ولا ضوابط.

من اقتصاد السوق إلى اقتصاد الافتراس

ما يجري اليوم ليس اقتصاد سوق حر، بل اقتصاد افتراسي؛ تجار أقوياء- دخول منهارة- غياب رقابة حقيقية- ووزارة تكتفي بدور المراقب المحايد. المواطن هنا لا يُنظر إليه كصاحب حق، بل كمتغير ثانوي عليه أن يتكيف أو يُقصى.
بهذا المعنى، لا تُحيّد الدولة عن السوق، بل تُنحي نفسها عن مسؤوليتها الاجتماعية، وتترك الفئات المفقرة في مواجهة مفتوحة مع سوق منفلت.

شرعية الدولة... وحماية الناس

عندما تتحول حماية المستهلك إلى «سبر سعر»، وتصبح الدولرة مخالفة مسموحة، ويُختزل دور الدولة في الإعلان لا الضبط، فنحن أمام سياسات متوحشة صريحة لا تخدم إلا من يملكون القدرة على فرض السعر، بينما تُدفع الغالبية الساحقة من المواطنين إلى معركة يومية خاسرة لتأمين أبسط متطلبات العيش.
وهنا، لا يعود السؤال عن كفاءة السوق، بل عن شرعية دولة تخلت طوعاً عن دورها في حماية الناس.