قضية اللاجئين السوريين... إنسانية فقط؟
سعد صائب سعد صائب

قضية اللاجئين السوريين... إنسانية فقط؟

يزيد عدد اللاجئين السوريين وفقاً للأمم المتحدة عن 5.5 مليون لاجئ، ولكن هذا الرقم يشمل فقط أولئك المسجلين لدى الأمم المتحدة، ما يعني أنّ الأعداد الفعلية أكبر من ذلك، وهي وسطياً بحدود 6.6 مليون لاجئ خارج البلاد، وإذا أضفنا لهذا العدد النازحين داخلياً فإنّ العدد سيتجاوز 50-60 % من إجمالي السوريين.

جهات سورية عديدة تدعو إلى التعامل مع موضوع اللاجئين بوصفه موضوعاً إنسانياً ينبغي أن يكون فوق التفاوض وفوق السياسة؛ وهذا كلام حقٍ من حيث المبدأ ولكنّ الممارسة الفعلية اتجاه هذا الملف من هذه الجهات نفسها تظهر أنّ تعاملها مع المسألة هو تعامل شديد التسييس.

على ضفة متشددي النظام، نرى دفعاً شكلياً وكلامياً باتجاه حل المسألة بالقول إنّ الباب مفتوح للعودة وأنّ الشروط اللازمة يجري تأمينها. حقيقة الأمر أنّ الظروف الفعلية في سورية لا تتجه صوب عدم تمكين اللاجئين من العودة فقط، بل وهي ظروف تطفّش من تبقى من السوريين وتدفعهم إلى محاولة البحث عن طريقة للخروج من البلاد... يكفي الوقوف عند الظروف المعيشية الكارثية التي يعيشها السوريون للتأكد من صحة هذا الأمر، ابتداءً بالغلاء المتوحش ومروراً بشتى أنواع الأزمات التي لم تترك شيئاً ولم تمرّ عليه، من الخبز إلى المحروقات إلى الكهرباء إلى المواصلات فالماء فالحرائق وغيرها...

وإذا كان المتشددون يحاولون نسب كل هذه المصائب إلى العقوبات وحدها، أو إلى ألاعيب مالية ما، فذلك أمر مفهوم والمقصود منه التبرؤ من المسؤولية عن الفساد الكبير والنهب والسياسات المعادية لمصالح السوريين. رغم أنّ ذلك لا ينفي بحال من الأحوال الدور الأساسي للحصار والعقوبات في تعظيم مآسي السوريين وتعميق جراحهم.

على الضفة المقابلة حيث متشددو المعارضة، يجري إنكارٌ مستمر لدور العقوبات في أزمات السوريين، بل ويجري الترحيب بتلك العقوبات بشكل متكرر، رغم أنّ ظاهر التعاطي مع مسألة اللاجئين هي أنّ المطلوب تأمين الشروط الكريمة لعودتهم... وأكثر من ذلك فإنّ دعوات لعودة اللاجئين تصدر أيضاً عن جهات في المعارضة، ولكن عودة إلى «مناطق المعارضة» مع الادعاء الكاذب بتوفر الشروط هناك من أجل العودة، أي في استنساخ لسلوك متشددي النظام... وفي الحساب البعيد المدى الذي بدأ يتكشف من تصريحات وتوجهات جهات محددة في المعارضة، فإنّ السعي هو نحو حل سياسي يقوم لا على انتخابات يشترك بها جميع السوريين في مختلف المناطق، بل على عدة انتخابات؛ انتخابات يجريها النظام في مناطقه لتنتج حكومته، وانتخابات تجريها «المعارضة» في مناطقها لتنتج حكومتها... وهنالك ما يكفي من عوامل أخرى لتكون لسورية حكومتان أو ثلاث حكومات أو أكثر، سواء كان الحديث عن العملة أو القوانين وصولاً إلى الأعلام والشعارات والمناهج المدرسية... أي هنالك ما يكفي ليكون لدينا ليس فقط عدة انتخابات في سورية، بل عدة سوريات في سورية!

بالمجمل يمكن أن نقول التالي: المتشددون في الجهتين يتعاملون مع مسألة اللاجئين بوصفها أداة سياسية هدفها تكريس الأوضاع القائمة بل وشرعنتها، بهدف الاستمرار في مواقع التحكم والنهب حتى وإن كان ثمن ذلك هو تقسيم سورية نفسها... وأيضاً يمكن القول إنّ المتشددين من الأطراف المختلفة لم يفعلوا ولن يفعلوا أي شيء عملي لضمان عودة كريمة وآمنة للاجئين السوريين.

666-1

قضية إنسانية نعم، ولكن سياسية واقتصادية أيضاً

القول بأنّ قضية اللاجئين هي قضية إنسانية هو قول صحيح، ولكنه خاطئ بالكامل إذا تم الوقوف عند هذا الحد؛ فمعنى القول إنها قضية إنسانية هو أنّ الجانب السياسي ينبغي أن يخضع للجانب الإنساني، وأن يتمّ تكييف السياسي لمصلحة الإنساني، ولا يعني إطلاقاً أنّ هذه القضية ليس لها جانبها السياسي...

إذا أردنا قول الأمور كما هي علينا أن نسأل: ما الذي يمكن أن يعتبره اللاجئ السوري شروطاً كريمة وآمنة لعودته؟

ورغم أنّ الإجابة الفعلية والتفصيلية ستكون طويلة، ولكنها بالتأكيد تتفرع من جانبين أساسيين هما:

أولاً، شروط اقتصادية اجتماعية مؤاتية: أي إمكانيات السكن والعمل والتعليم والصحة والعيش الكريم عموماً.

ثانياً، شروط ديمقراطية مؤاتية: أي ضمان عدم الوقوع تحت سطوة القمع أو الابتزاز أو الاعتقال... إلخ.

وإذا أردنا أن نصل إلى كيفية تأمين هذه الشروط، فلا مجال للهروب من حقيقة أنّ تأمينها بشكل كامل لا يمكن أن يتم دون تحقيق عدة أمور من بينها:

حل سياسي شامل على أساس القرار 2254 بما يضمن وضع الأساس لإنهاء الفساد الكبير. إنهاء كل أشكال العقوبات والحصار والحصول على تعويضات من الدول التي أسهمت في تدمير سورية وإدخال مشاريع استثمارية كبرى وعلى أسس وطنية تضمن الاستقلالية وحقوق السوريين.

gettyimages-652813968

ما الذي يجب فعله أولاً؟ 

المشكلة في طريقة التجاذب السياسي حول قضية اللاجئين السوريين، هي أنّ المتشددين من الطرفين يعملون على إدخالها في جملة اشتراطات مسبقة تؤدي بها في النهاية إلى حلقة مفرغة وإلى دوران في المكان؛ فمن جهة متشددي النظام يجري الدفع شكلياً باتجاه الحل عبر الادعاء الذي لا أساس له بأن الشروط باتت متوفرة للعودة وأنّ المسألة لا تتعلق نهائياً بالحل السياسي بل هي محصورة بمحاولة دول بعينها الاستثمار سياسياً في هذا الملف، ما يعني أنّ على اللاجئين العودة دون حدوث أي تغيير في الشروط القائمة، وهذا اشتراط مسبق يعرف من يضعونه أنّ اللاجئين لن يعودوا بهذه الطريقة، وربما ليست لديه رغبة بعودتهم أصلاً.

من جهة متشددي المعارضة يجري الدفع شكلياً أيضاً باتجاه الحل عبر القول إنّ الشروط لم تتوفر ولن تتوفر قبل إنجاز الحل السياسي بشكل كامل، وريثما ينجز هذا الأخير فمن الجيد استمرار العقوبات، بل ومن المرحب به أن تزداد أوضاع السوريين سوءاً، سواء في مناطق النظام أو المعارضة! لأنّ ذلك وفق ما يزعمون سيسرع الحل.

كسر الحلقة المفرغة

التعامل من وجهة نظر إنسانية ووطنية مع المسألة ينبغي أن ينطلق من كسر هذه الحلقة المفرغة؛ فالمطالبة والعمل على إنهاء العقوبات وإنهاء الحصار هو جزء من تأمين الشروط اللازمة للعودة وهو أيضاً جزء من تقريب الحل السياسي، لأنّ العقوبات في جوهرها تستهدف إبقاء الوضع القائم ودفعه نحو التعفن والتقسيم... (على من يريد معرفة أي نموذج يتبعه الغرب مع مسألة اللاجئين السوريين أن يدرس النموذج اليوغسلافي، التي لم يجر تقسيمها فحسب، بل ولم يعد القسم الأكبر من اللاجئين الذين خرجوا أثناء الحرب حتى الآن، أي بعد أكثر من عشرين سنة من انتهاء الحرب!)

ولكن هل يعني ذلك أنّ الحل السياسي ينبغي ألا يبدأ حتى يتم رفع العقوبات؟ على العكس تماماً، فالغرب إنما يضع عقوباته هذه لتأخير الحل، ولذا فإنّ أولئك الذين يشترطون بدء الحل بإنهاء العقوبات (وهم أنفسهم المستفيدون من تلك العقوبات في حقيقة الأمر)، يريدون في الواقع الحفاظ على الوضع كما هو وتمديده خوفاً من التغيير. والعكس أيضاً صحيح؛ فأولئك الذين يرون ضرورة استمرار العقوبات للوصول إلى الحل يعلمون أيضاً أن العقوبات نفسها معيق للحل، وهم سعيدون بذلك لأنهم هم أيضاً يعملون وفق منطق لا يصب إلا في التقسيم في نهاية المطاف... من ذلك حديثهم عن دستور لجزء من سورية وقوانين انتخابات وأحزاب ولامركزية مؤقتة وإلخ...

محصلة

من المؤكد أنّ عودة اللاجئين ستبقى محدودة جداً ولا ترتقي إلى عودة فعلية تحل الملف بشكل حقيقي، قبل أن تتوفر الشروط اللازمة لتلك العودة. والحق أنّه يمكن أن يبدأ السوريون بالعودة قبل التوفر الكامل للشروط اللازمة للعودة شرط أنّ يثق اللاجئ السوري أنها في طريقها إلى التوفر... بهذا المعنى، فإنّ المطلوب هو السير في تحقيق هذه الشروط جميعها بالتوازي؛ أي ينبغي البدء فوراً بتطبيق القرار 2254 والذي سيمتد تطبيقه فترة من الزمن، والإصرار على إنهاء العقوبات والحصار...

(النسخة الإنكليزية)

آخر تعديل على الأربعاء, 11 تشرين2/نوفمبر 2020 18:40