محمد عادل اللحام
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
شارفت الدورة النقابية الـ27 على نهايتها، وهذا يضع على عاتق قيادة الحركة النقابية بالدرجة الأولى، وعلى كوادرها، تقييم تجربة العمل النقابي بما لها وما عليها خلال الفترة المنصرمة من عمر هذه الدورة الانتخابية. وبهذا الفعل إذا ما تمَّ، فإن الحركة النقابية تكون قد انتقلت خطوات حقيقية على طريق تطوير أدائها وبرنامجها وخطابها. وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بالتفاعل مع القواعد العمالية، أي أنْ تقول هذه القواعد كلمتها بممثليها والدور الذي أدّوه أو لم يؤدّوه دفاعاً عن مصالحهم وحقوقهم، التي جرى الانتقاص منها والاعتداء عليها من خلال تبنّي السلطة التنفيذية لنهج الاقتصاد الليبرالي (اقتصاد السوق الاجتماعي)، المعتمد في توجهاته على ما قدمته المؤسسات المالية الرأسمالية (صندوق النقد الدولي) من اقتراحات، بل أوامر، وكذلك انسحاب الدولة من دورها الاقتصادي والاجتماعي.
يَعرِفُ مَن يصنعون ويطبّقون السياسات المضرّة بمصالح وحقوق شعبنا -وكذلك العمال في بلدنا- أنَّ العدوَّ الحقيقي لسياساتهم، والقوة الأكثر قدرة على الوقوف في وجههم وفضح برامجهم، ولجم سياساتهم إن أتيحت لها الفرصة وتوفر لها المناخ المناسب، هي الطبقة العاملة. لذلك يبذل هؤلاء كل ما بوسعهم في سبيل عدم امتلاكها لناصية القرار المطلوب، وإبقائها في حالة عجز غير قادرة على القيام بأيّ فعل حاسم للدفاع عن نفسها وحقوقها.
يغلب على المؤتمرات الجاري عقدها الآن لاتحادات المحافظات والتي قاربت على نهايتها، الشكل الاحتفالي والخطب العصماء من المسؤولين الحاضرين لهذه المؤتمرات. ولم يبخل الخطباء في إبراز بعض الوجع الذي يعيشه العمال في أماكن عملهم وفي معيشتهم، وهذا يكون لضرورات اللحظة والوضع الصعب المعاش، ومنها: تحسين الوضع المعيشي وزيادة الأجور والاهتمام بالصحة والسلامة المهنية، وتحسين الطبابة العمالية، وغيرها من القضايا الأخرى التي يؤتى على ذكرها في كل مؤتمر أو اجتماع مجلس عام.
التقيت بعاملة خمسينية العمر في التجمع الذي قام به أهالي مدينة الحجر الأسود (حي الجزيرة) للمطالبة بعودتهم إلى بيوتهم حتى وإن كانت مدمرة، حيث زادتها جماعات التعفيش تدميراً بسرقة الحديد وما تيسر لهم من أشياء أخرى.
إذا قمنا بمتابعة واسعة لواقع الطبقة العاملة وما قُدِّمَ باسمها من مطالب خلال المؤتمرات النقابية التي عقدت في بداية هذا العام، وما قُدِّمَ من مذكّرات سطّرتها اجتماعات المجلس العام لنقابات العمال، نجد أن تلك المطالب لم يتغير من أمرها شيء، وفي مقدّمتها تحسين الوضع المعيشي للعمال الذي أصبح في أسوأ حالاته، حتى بعد الزيادة الأخيرة على الأجور، وتحسين الوضع الإنتاجي، الذي يتراجع تراجعاً خطيراً تكاد تفقد فيه الصناعة كلَّ مقوّمات استمرارها، وليس حتّى تطوّرها. إن تلك المطالب ما زالت موجودة في أدراج النقابات والحكومة، ولم تأخذ طريقها نحو التحقُّق بالرغم من الأقاويل الكثيرة التي تدلي بها النقابات بأنّ الحكومة عازمة على تحقيق مطالبنا، وأنها متعاونة معنا إلى أبعد الحدود، وغيرها من جمل الإطراء والتبجيل لموقف الحكومة من مطالب العمال.
انتهت المؤتمرات النقابية في المحافظات جميعها، وابتداءً من تاريخ 25/2/2024 تبدأ مؤتمرات اتحادات المحافظات، حيث تتكثف فيها كل أوجاع الطبقة العاملة ويعبّر عنها بأشكال وألوان متعددة، مرة بخجل وحرص على انتقاء الكلمات والجمل التي سيُسمعها النقابي لمن هم في مواجهته من المسؤولين الحضور، فيهزون رؤوسهم كناية عن سماعهم ما يُقَال ولكن كيفية تنفيذ ما قيل قضية أخرى، واللون الآخر من التعبير عن الأوجاع يأخذ شكل الحدة في الطرح، فيكون الطارح للقضية مكلوماً وموجوعاً إلى الحد الذي يجعله يقول «مالها فارقه معي بدي أحكي وقول يلي بقلبي» وهذا النوع من الطرح لا يُطرب الحاضرين في منصات المؤتمر، ويبدؤون بتحضير أنفسهم للردّ على ما قيل حتى لا يأخذ القول مفعوله عند بقية الحضور، وبالتالي يترك أثره الإيجابي من حيث التعبئة والتفاعل.
الأزمة الوطنية أفرزت الكثير من الأشياء التي لم نكن نراها سائدة وواضحة بهذا الشكل والتجلي في تفاصيل حياتنا اليومية، والآن نراها سائدة وواضحة أمام كل الناس، وهي جزء من مشهدهم العام الذي اعتادوا عليه في حركتهم كل يوم، ولكن التفسير لهذه الظواهر ليس واحداً عند الناس.
يقول المثل الشعبي «أجت الحزينة لتفرح ما لقتلها مطرح» وهذا المثل ينطبق على ملايين الفقراء من شعبنا بعد أن جرى ويجري تعشيمه بأن الأمور ستتحسن وأن زيادة الأجور التي كانت مرتقبة وأصبحت حقيقة ولكنها أصبحت حقيقة مرة، ستجعلهم بوضع أفضل من الوضع الذي كانوا عليه ولو نسبياً وما على الفقراء سوى إيقاف النق على الحكومة «لتشوف شغلها منيح في تحسين أوضاعهم ومعيشتهم».
شارفت المؤتمرات السنوية للنقابات على نهايتها، بعد أن عقدت مؤتمراتها وفقاً لقانون التنظيم النقابي، حيث طرح النقابيون القاعديون (لجان نقابية، متممون) مداخلاتهم التي من المفترض بها أن تعكس الواقع العمالي (مطلبياً وإنتاجياً وحقوقياً)، وقد طرح العديد من النقابين مواقفهم كأفراد ولكن في الوقت نفسه يعبرون عمّا هو مطلوب عمالياً ونقابياً في هذه الظروف التي يعاني منها العمال ومعاملهم الأمرين في الإنتاج والمعيشة بسبب سياسات الحكومة والمناصرين لها في النقابات.
حال العمال لم يعد خافياً على أحد، ولم تعد تنفع أنواع المسكنات كلها التي توصف لهم من أجل أن يصبروا على وجعهم... وجعهم المزمن الذي وصل إلى أدق خلاياهم، ولم يجدوا له دواءً شافياً.