تراث الفكر الإسلامي من التأويل إلى التحليل
بإمكاننا أن نطلق على الحضارة الإسلامية على الرغم من كل تنوعها وغناها صفة «حضارة النص»، فعبر سيرورتها التاريخية الطويلة بمراحلها وعصورها المختلفة، ارتبطت هذه الحضارة دائماً بنصٍ مؤسس شغل مكانة المركز فيها، وشكَّل نقطة ثبات وحضور انطلقت منها أو دارت حولها أو تصارعت عليها مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية، ولهذا يمكننا أن نفهم المكانة الكبيرة التي شغلها التأويل في هذه الحضارة، الذي طبع بطابعه معظم النشاطات والاسهامات الفكرية التي بحثت دائماً عن سندٍ لها في النص بعد تأويله، وهذا لاينطبق فقط على العلوم النقلية والدينية، بل يشمل أيضاً أكثر العلوم العقلية تطوراً وانفتاحاً، فكثيراً ما سخرت هذه العلوم العقل في عملية التأويل، وأعملته في النصوص لتطويعها وتكييفها مع حاجاتها وتطلعاتها، مما جعله يهدر الكثير من طاقاته وقدراته في المماحكات النصوصية، ويغرق نفسه في دقائق اللغة وألاعيب الدلالة. هكذا خلَّف لنا تاريخنا تراثاً تأويلياً هائلاً مايزال يضغط حتى اليوم على حياتنا الثقافية.