احتكار الإعلام الرقمي: من يملك أخبار الإنترنت؟ stars
في عالم يتشكل وعاؤه من فتات البيانات، تبرز سطوة قلائل على تدفق المعلومات. هذه الدراسة تكشف عن الوجوه الخفية التي تتحكم في رؤية الأمريكيين للأحداث.
في عالم يتشكل وعاؤه من فتات البيانات، تبرز سطوة قلائل على تدفق المعلومات. هذه الدراسة تكشف عن الوجوه الخفية التي تتحكم في رؤية الأمريكيين للأحداث.
تعود ملفات جيفري إبستين إلى الواجهة بين الحين والآخر، ولا سيما في عصر «الترند» حيث تكتسب الفضائح سرعة انتشار وتأثيراً مضاعفاً. وقد اجتمعت في هذه الملفات جرائم جسيمة، أبرزها الاعتداء على قاصرات، وغسل الأموال، وتقديم خدمات لجهات استخباراتية مختلفة. لكن الاهتمام الاستثنائي بالقضية لا يعود فقط إلى فداحة الجرائم، بل إلى ورود أسماء شخصيات ثقافية وسياسية حظيت بشعبية جماهيرية واسعة، مثل الأمير البريطاني أندرو، وبيل كلينتون، ودونالد ترامب. وهو ما يفتح سؤالاً أبعد: لماذا تُوثَّق الجرائم ومن المستفيد؟ في الواقع، ليست ملفات إبستين حالةً استثنائية لرجل ماجن وقادة ذوي نزوات، بل إنّ لمثل هذه الملفات دور بنيوي في إدارة العلاقات العامة في النظام الرأسمالي.
في محاضرة روبرت هيلبرونر التي ألقيت في مدرسة نيويورك للبحوث الاجتماعية في نيسان 2025، قدمت الاقتصادية جياتي غوش رؤية عميقة ومقلقة حول تطور الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين وعلاقتها المتوترة بشكل متزايد مع الديمقراطية. تستند غوش في تحليلها إلى إطار نظري يجمع بين التقليد الماركسي ومدرسة التنظيم الفرنسية، مع إضافة رؤى جديدة حول تحول الرأسمالية إلى نظام يهيمن عليه السعي إلى تحقيق الريوع الاقتصادية بدلاً من الأرباح الإنتاجية التقليدية.
ترجمة قاسيون بتصرف
على مدى القرن الماضي، شهدت الرأسمالية الأمريكية وجود أكثر الطبقات الحاكمة وعياً طبقياً ونفوذاً في تاريخ العالم، إذ تهيمن على كلٍّ من الاقتصاد والدولة، وتمتد هيمنتها داخلياً وعالمياً. ويكمن جوهر حكمها في جهاز أيديولوجي يصرّ على الادعاء بأنّ القوة الاقتصادية الهائلة للطبقة الرأسمالية لا تعني حكماً سياسياً مباشراً، وأنّه مهما بلغ الاستقطاب في المجتمع الأمريكي على الصعيد الاقتصادي، فإنّ ادعاءاته بالديمقراطية تبقى قائمة.
يلعب القطاع المالي (وخاصةً حجم وحركة الائتمان/الديون) دوراً في الأزمة الرأسمالية. فيُعد نمو الائتمان والمضارَبة بالأسهم والسندات وغيرها من أشكال الأصول النقدية، أو «رأس المال الوهمي»، أحد العوامل المُعاكسة للاتجاه الهبوطي في ربحية الرأسماليين الذين يُحوِّلون استثماراتهم إلى المجال المالي الأكثر ربحية (الأَموَلَة). ولكنه يخلق مشكلة في الاقتصاد ككل، لأنّ تنامي الأموَلة والمضاربة يضخّم الفقاعة المالية ويضعِف قطّاعات «الإنتاج الحقيقي» التي هي وحدها ما يُؤمِّنُ القيمة الزائدة عندما يطالبُ التَّمويل بأرباحٍ حقيقية مقابِل أرباحِه الورقية.
يَعتبرُ ماركس الأزمةَ الاقتصاديةَ الرأسمالية مشكلةً لعملية تراكم رأس المال وحلّاً مؤقتاً لها. فجميع الأزمات الكبيرة تكشف التناقضات الكامنة في عملية التراكم، الذي بمجرّد أن يتباطَأ، تظهر على سطحه جميع أنواع العيوب والنقائص. من بينها أنّ وسائل الإنتاج لا تتعرَّض إلى الاهتلاك الفيزيائي فحسْب، بل وكذلك إلى ما يسمّيه ماركس «الاهتلاك المعنويّ»؛ عندما يضطرّ الرأسمالي إلى استبدالها، قبل انتهاء صلاحيتها الفيزيائية، بوسائلَ أحدث تكنولوجياً، تحت ضغط المنافسة في السوق المحلية أو الدولية، وهو أحد العوامل الهامّة في ميل معدّل الربح التاريخي نحو الانخفاض، الذي يعدّ مِن أهمّ قوانين الاقتصاد التي اكتشفها ماركس، ويتجلّى بقوّة في الأزمة الراهنة اليوم، بارزاً كأحد أهمّ الأسباب العميقة للخطر الذي يشكّله التقدّم التكنولوجي الصيني (كما في الذكاء الاصطناعي والأتمتة الروبوتيّة) على الولايات المتحدة وعلى تسريع وتعميق الأزمة الرأسمالية.
يصف بعض الباحثين الماركسيين المرحلةَ التاريخية الحالية التي تمرّ بها الرأسمالية العالمية منذ 2008 حتى اليوم بأنها «الركود العظيم الثالث». سنحاول في سلسلة المقالات الآتية تقديم عرضٍ لأساسيات النظرية الماركسية حول الأزمات الاقتصادية الرأسمالية، نظراً للفائدة العِلمية والاقتصادية السياسية للتذكير بها، خصوصاً مع الطور الجديد الذي يبدو أنّ الأزمة تدخل فيه الآن، ولمّا تتكشّف بَعدُ زلازلُه الأعظم القادمة، والتي لا يشكّل إعلان الرئيس الأمريكي ترامب حرباً تجارية جديدة على العالَم، سوى إشارة لبدايته فقط، كأحد تطورات المأزق التاريخي لتراجع أمريكا خصوصاً، وقوى الإمبريالية عموماً، وما يتوازى معه من توسّعٍ لآفاقٍ تاريخية سبق أنْ انفتحت بالفعل منذ سنوات أمام قوى العالَم الجديد الصاعدة، وعلى رأسها الصين وكتلة بريكس.
كان أسبوعاً مضطرباً في سوق الأسهم، حيث دفعت مساعي دونالد ترامب لإعادة تشكيل النظام الرأسمالي العالمي بالمستثمرين إلى حالة من الهستيريا. إلى أين تتجه الأمور؟ لا أحد يعلم. ولكن مع اقترابنا من حرب تجارية محتملة، من المفيد أن نتراجع قليلاً للتأمل في شكل نظامنا المالي العالمي.
بقلم فيرا بيرجينجروين/بوينس آيرس
عن مجلة التايم البريطانية بتصرف