دور الابتزاز السياسي في فترات التحولات الكبرى: ملفات جفري إبستين مثالاً

دور الابتزاز السياسي في فترات التحولات الكبرى: ملفات جفري إبستين مثالاً

تعود ملفات جيفري إبستين إلى الواجهة بين الحين والآخر، ولا سيما في عصر «الترند» حيث تكتسب الفضائح سرعة انتشار وتأثيراً مضاعفاً. وقد اجتمعت في هذه الملفات جرائم جسيمة، أبرزها الاعتداء على قاصرات، وغسل الأموال، وتقديم خدمات لجهات استخباراتية مختلفة. لكن الاهتمام الاستثنائي بالقضية لا يعود فقط إلى فداحة الجرائم، بل إلى ورود أسماء شخصيات ثقافية وسياسية حظيت بشعبية جماهيرية واسعة، مثل الأمير البريطاني أندرو، وبيل كلينتون، ودونالد ترامب. وهو ما يفتح سؤالاً أبعد: لماذا تُوثَّق الجرائم ومن المستفيد؟ في الواقع، ليست ملفات إبستين حالةً استثنائية لرجل ماجن وقادة ذوي نزوات، بل إنّ لمثل هذه الملفات دور بنيوي في إدارة العلاقات العامة في النظام الرأسمالي.

 

وظيفة الابتزاز السياسي في النظام الرأسمالي

يقدّم نيكولا ميكافيللي في كتابه «الأمير» الذي يتبناه كثير من العاملين على نظريات القيادة الاستراتيجية السائدة مفتاحاً لفهم أهمية الابتزاز السياسي كظاهرة حين يقول بأن الحاكم ليس مطالباً بالتحلي بالفضائل بقدر ما هو مطالب بأن يبدو فاضلاً. فالثقة الجماهيرية تُبنى على التسويق الأخلاقي، لا على حقيقة السلوك. وفي السرديات المقدَّمة للجماهير، يُسوَّق الثراء والسلطة بوصفهما دليلاً على الذكاء والاستحقاق والعمل الجاد، لا على الفساد أو مخالفة القانون.

لكن في النظام الرأسمالي المعاصر، تُنتَج أعلى معدل أرباح داخل دوائر غير قانونية أو رمادية، تشمل تجارة السلاح والبشر والمخدرات، وغسيل الأموال، والتلاعب في البورصات، وتجارة النفوذ. وفي مثل هذه الشبكات، لا تقوم الثقة على الأخلاق أو النوايا الحسنة، بل على هندسة اجتماعية دقيقة للانضباط، قوامها الابتزاز المتبادل.

تقوم «الثقة» بين أفراد هذه الدوائر على آليات مثل التواطؤ الجماعي في تغطية الإجرام، إذ يكون الجميع متورطين، بدرجات متفاوتة، في أفعال لا يمكن التنصّل منها. وعند دخول وافد جديد إلى شبكة العلاقات، لا يُسمح له فقط بارتكاب فعل لا رجعة فيه، بل يُشجَّع على ذلك، ليُمنح «الثقة» على أساس تورّطه. في هذا السياق، تصبح خيانة الشبكة أعلى كلفة من التعاون. وترجح التحليلات بأنه قد أُنيط بجيفري إبستين دور تصنيع واحد من أكبر ملفات الابتزاز السياسي العابرة للحدود في العالم. وثمة مؤشرات عديدة على أن هذه المهمة أُوكلت إليه من أجهزة الاستخبارات «الإسرائيلية». وربما جرى اختيار إبستين لهذه المهمة لامتلاكه مزيجاً من الانحراف، والذكاء، والقدرة على الإقناع. وبالفعل، فقد صمّم ملف ابتزاز محكماً، سواء من حيث اختيار شكل التوريط في جرائم يستحيل تبريرها، كالاعتداء على قاصرات، أو من حيث انتقاء قائمة المستهدفين.

تصنيع إبستين وإنتاج ملفات الابتزاز

يمكن النظر إلى ملفات جيفري إبستين بوصفها كاشفةً عن علاقة عضوية بين رأس المال المالي من جهة، ونشاطه الاقتصادي في الجريمة المنظمة من جهة أخرى، إضافة إلى تقاطعه مع أجهزة الاستخبارات الدولية ودوائر السلطة والمال. ويقود هذا إلى سؤال مركزي: كيف تمكّن إبستين من بناء شبكة بهذا الاتساع والتعقيد؟

وفق الروايات المتداولة، فقد عرف إبستين منذ طفولته بوصفه طفلاً موهوباً، إذ تخطّى صفّين دراسيين دفعة واحدة. وعندما التحق بمعهد كورانت للرياضيات، لم يتمكّن من التخرّج، غير أنّه لفت انتباه دونالد بار، المسؤول في مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي، والذي يُقال إنه كان معنياً بإنشاء برامج لاحتواء الموهوبين المتسرّبين من الجامعات. وبحسب هذه الفرضية، فإن تدخل بار مكّن إبستين لاحقاً من التدريس في مدرسة دالتون المرموقة، رغم عدم حيازته المؤهلات الرسمية المطلوبة لمزاولة المهنة.

وبعد فصله من مهنة التدريس، شاع أن إبستين كان قد تعرّف على والد أحد طلابه، آلان غرينبرغ، الذي أدخله إلى عالم التداول والبورصات. ومن خلال هذه العلاقة، تعلّم إبستين قوانين الضرائب الأمريكية والخدمات المصرفية، وبرع في استخدام المعلومة بوصفها أداة قوة، ليصبح لاحقاً موضوع «إدارة السمعة» إحدى أهم أدواته الاستراتيجية التي أتقنها بدرجة عالية.

وفي كتابها «أمّة تحت الابتزاز»، تطرح ويتني ويب فرضية مفادها أن علاقة إبستين بالاستخبارات العسكرية «الإسرائيلية / أمان» بدأت في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عبر روبرت ماكسويل، والد غيسلين ماكسويل، مساعدة إبستين التي أُدينت لاحقاً بتسهيل استغلال القاصرات والمشاركة في الاعتداء عليهن. وروبرت ماكسويل وهو رجل أعمال وإعلام صهيوني عمل في بريطانيا وكانت له علاقة شخصية بشمعون بيريز، شكّل حلقة الوصل في هذا المسار.

ووفق هذه الرواية، فإن روبرت ماكسويل تورّط في عمليات احتيال مالي واسعة، شملت نهب أموال تأمينات آلاف الموظفين البريطانيين واستخدامها في مخططات بونزي (مخطط احتيال شبكي من الاستدانة والتمويل)، ما أدّى إلى انهيار مجموعته الاقتصادية «ميرور» عام 1991 بسرعة كأحجار الدمينو. ويُقال إنه وُجد مقتولاً لاحقاً في ظروف غامضة على متن يخته، ورغم ذلك أقام الكيان الصهيوني له جنازة في فلسطين المحتلة، دُفن خلالها في القدس، بحضور كبار المسؤولين الذين أشادوا بخدماته.

أمضت ابنته غيسلين ماكسويل بعد ذلك فترة في «إسرائيل»، ويُقال إن إبستين ساعدها، مستفيداً من خبرته وصناديقه المالية، في إخفاء نحو 350 مليون دولار من أصل 450 مليون دولار اختلسها والدها من أموال التأمينات. ومنذ تلك المرحلة، عمل إبستين وغيسلين ماكسويل معاً على تصنيع ملفات ابتزاز، من دون وجود نشاطات اقتصادية واضحة تفسّر مصدر الثروة التي مكّنتهما من شراء جزيرة خاصة مزوّدة بنظام اتصالات مستقل عن الشبكة العامة، وكاميرات مراقبة في كل مكان، إضافة إلى مطار خاص لطائرات إبستين.

دور الابتزاز في زمن التحولات التاريخية

المعلومات الواردة في ملفات الابتزاز لا تُستخدم عادةً عبر نشرها الفوري، بل من خلال التلويح بها، على أن يُفرَج عنها في لحظة مدروسة عندما يحتدم الصراع، وبما يخدم طرفاً على حساب آخر. وفي هذا السياق، يُلاحظ أنه في عام 2007 أُدين جيفري إبستين ببعض التهم، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة عام ونصف، قضاه في جناح مميّز داخل السجن، مع قدرة شبه مفتوحة على مقابلة محاميه، إضافة إلى منحه تصريحاً بالخروج ستة أيام في الأسبوع للعمل. غير أن الظرف السياسي كان مختلفاً في اعتقاله الأخير المرجح أنه قتل خلاله.

تزداد أهمية ملفات الابتزاز في لحظات الهشاشة التاريخية وإعادة ترتيب موازين القوى، ففي لحظة نضوج ظرف تاريخي معيّن، وحدوث تشقّق بنيوي عميق، قد تلعب معلومة من هذا النوع دور الشرارة التي تُطلق تحوّلاتٍ تراكمت أسبابها مسبقاً على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي. فاليوم ثمة صراع أوروبي–أمريكي، وصراع أمريكي داخلي بين تيار يسعى إلى إدارة التراجع عبر الانكفاء نحو الداخل، وبين تيار عولمي يرفض التراجع ويرى أن أفضل وسائل الدفاع هي الهجوم. واتخاذ أي خيار سيؤثر بشدة على البعض الذي قد يضحى به فجأة في كشف ملفاته. كذلك، وبالأخذ بالاعتبار علاقة إبستن التاريخية بالكيان الصهيوني، فقد يستخدم الكيان هذه الملفات ضد شخصيات مؤثرة في الدول التي لوّحت مؤخراً باحتمال التخلي عن «إسرائيل»، سواء على مستوى التمويل أو التسليح أو الدعم السياسي، بعد أن بدأ يُنظر إلى دعمها بوصفه أكثر كلفة من فائدته كقاعدة عسكرية متقدمة في الشرق الأوسط.

الابتزاز ليس انحرافاً عن الرأسمالية، بل إحدى آلياتها الداخلية. وفي الأيام القادمة، قد يكون الإفراج عن أسماء دون أخرى مؤشراً على حسم موقعها كمهزومة في صراعات تتجاوز قضية إبستين نفسها.

 

آخر تعديل على الخميس, 08 كانون2/يناير 2026 17:21