افتتاحية قاسيون 1273: حول «بدنا ناكل... بدنا نعيش»!
تكشف الأسابيع الأخيرة عن تنامٍ تدريجي للنضالات المطلبية التي يقوم بها سوريون في مختلف مناطق البلاد، وفي العديد من القطاعات الاقتصادية؛ من المعلمين إلى سائقي التكاسي وأصحاب البسطات، ومروراً بنضالات أهالي جوبر والقابون للحفاظ على حقوقهم وملكياتهم، إضافة إلى الاحتجاجات ضد رفع معدلات الجباية ورفع أسعار الخدمات ورفع الدعم عنها، وخاصة الكهرباء والاتصالات، والتلويح بخصخصة القطاع الصحي، وليس انتهاءً بالموظفين المفصولين، أو أولئك الذين على رأس عملهم ويتعرضون لاقتطاعات من أجورهم، أو تأخير متكرر في استلامها.
إنّ توسع النضالات المطلبية، أفقياً وعمودياً، هو أمر طبيعي ومتوقع نتيجة للأوضاع الاقتصادية الاجتماعية الكارثية التي تعيشها الغالبية العظمى من السوريين، ونتيجة ليس فقط للأوضاع الإقليمية المستجدة، بل وأيضاً وبشكل أساسي للسياسات الاقتصادية المتبعة، والتي تشكل في جوهرها استمراراً للسياسات السابقة المنحازة إلى قلة قليلة، هم أصحاب الأرباح (الذين لا يشكلون أكثر من 5% من السوريين، وينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف)، وبالضد من مصالح الشعب السوري، أي بالضد من أصحاب الأجور الذين يشكلون 95% من السوريين، والمنتمين أيضاً لكل القوميات والأديان والطوائف.
إن تطور النضالات المطلبية ليس أمراً متوقعاً وطبيعياً فحسب، بل وهو أمر إيجابي أيضاً؛ لأنه يسهم بشكل مباشر في توحيد السوريين حول مصالحهم الحقيقية، بعيداً عن الانتماءات الضيقة التي لا تخدم إلا أصحاب الأرباح، وأمراء الحروب والقوى الخارجية المعادية، وعلى رأسها «إسرائيل».
ولذلك، فإن من واجب الوطنيين السوريين، أياً تكن مواقعهم، أو اتجاهاتهم الفكرية والسياسية، أن يعملوا على حماية هذه النضالات ودعمها، وفتح الطريق أمامها لتتطور بشكل طبيعي باتجاه توحيد الشعب السوري على أساس مصالحه الحقيقية...
وضمناً، فإنه ينبغي حماية النضالات المطلبية من خطرين واضحين:
أولاً: ينبغي حمايتها من محاولات قسمها وتفتيتها على أسس طائفية ودينية وقومية، أي ينبغي حمايتها من محاولات ضرب المعترين، أبناء الـ95%، ببعضهم البعض، وينبغي ضمناً حمايتها من محاولات دفعها نحو ثنائيات قاتلة معدة مسبقاً، على طريقة «نظام-معارضة» و«علماني-متدين» و«أكثرية-أقليات» وإلخ... ما يجمع المعترين في هذا البلد أنهم هم الأكثرية المطلقة، هم الشعب كله عملياً، الذي يعيش تحت خط الفقر، ويرى بعينه البطر الذي تعيشه قلة قليلة من كل الأطراف، داخل وخارج البلاد... وهذا ما ينبغي أن يوحد النضالات المطلبية للسوريين، وعبرهم يوحد الشعب السوري، ويوحد سورية حقاً وفعلاً.
ثانياً: ينبغي حمايتها من محاولات إجهاضها التي تجري بشكل أساسي عبر العمل لتركيب قيادات فوقها بشكل قسري ودون استشارتها. ورغم أن الأمور ما تزال في بدايتها، إلا أن هنالك مؤشرات على محاولات من قوى وشخصيات خارج البلاد، لتنصيب نفسها قائدة للناس، لامتطاء نضالاتها ودفعها بالضد تماماً من مصلحة الناس ومصلحة البلاد. ما يعني بشكل عملي، أنه ينبغي للناس التي تعلمت بتجربتها المرة، أن تنظم صفوفها أكثر فأكثر، وأن تصنع وتختار قياداتها بنفسها. وبالتوازي، فإن على القوى السياسية، التي ما تزال بعيدة إلى حد بعيد عن نبض الناس، أن تنخرط في هذه النضالات، وأن تقدم ما تعلمته بتجربتها بين يدي الناس، وأن تطلب موافقتهم على المشاركة في تمثيلها، وأن تتخلى عن عقلية الجنرال الذي يوجه الجماهير من علٍ، ويخطط لها متى تناضل، وأين، وأي شعارات ترفع!
إن تصاعد الحراك المطلبي للشعب السوري، ينبغي أن يتم التعامل معه من كل الوطنيين السوريين، أياً تكن مواقعهم، على أنه بشارة خير، ومقدمة لطور جديد من الحركة الشعبية السورية، لاستكمال تحقيق أهداف الشعب السوري، بعد التخلص من سلطة الأسد، في بناء نظام جديد، عادل اقتصادياً-اجتماعياً، وحر وديمقراطي وموحد وسيد لنفسه، وتصان فيه كرامة الوطن، وكرامة المواطن، على حد سواء...
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1273