سيلفي والشعب خلفي!

سيلفي والشعب خلفي!

يشهد الشارع السوري خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعداً ملحوظاً في النضالات ذات الطابع المطلبي المباشر؛ من احتجاجات المعلمين إلى أصحاب البسطات إلى سائقي التكاسي، إلى النشاطات التي يقوم بها أهالي جوبر والقابون للدفاع عن ملكياتهم، وتلك التي يقوم بها الموظفون المفصولون تعسفياً للمطالبة برفع الجور عنهم، وغيرها وغيرها...

يعكس هذا النشاط المتصاعد للناس، مجموعة من الأمور والحقائق؛ فمن جهة، تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الشعب السوري، وبالتحديد من أبناء الـ95% المفقرين والمعترين والمنهوبين، أنه لن يدافع أحد عن مصالحهم ما لم يدافعوا هم أنفسهم عنها، وأن السبيل الأفضل للقيام بذلك هو أن ينظموا أنفسهم ويعملوا بشكل جماعي وسلمي. من جهة أخرى، يبدو واضحاً أن خبرة السنوات الـ14 الماضية، لم تذهب هدراً، والناس تعرف بالتجربة المرة، أنها ينبغي أن تتمسك بسلميتها حتى الرمق الأخير، وألا تسمح لأي جهة كانت بامتطاء حراكها، لمحاولة توظيفه ضدها.

يضاف إلى ذلك أن فئة الـ95% من السوريين، الذين يحصلون على أقل من 10% من إجمالي الثروة المنتجة بالبلاد، يتعلمون بتجربتهم اليومية أن انتماءهم الأساسي هو الانتماء إلى هذه الفئة تحديداً، أي فئة الـ95% الذين «تحت»، وهي فئة عابرة للقوميات والأديان والطوائف، وعابرة لما يسمى «أكثرية» و«أقليات»؛ ببساطة لأنهم هم الأكثرية الحقيقية، هم عملياً الشعب السوري... كما أن انتماءهم هذا، عابرٌ حتى للتصنيفات السياسية التي يجري العمل على تكريسها من جديد بين «مؤيد» و«معارض»، و«شبيح» و«فلول» وإلخ...

كما يعكس تصاعد الحركة الشعبية مجدداً، حقيقة أن الأزمة بعمقها الاقتصادي والسياسي ما تزال قائمة وتحتاج إلى حل، وأن الاتجاه الاقتصادي الساري (أي الليبرالية المتوحشة المعتمدة على تطبيق وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، بما في ذلك سياسات رفع الدعم والخصخصة والتوجه غرباً وضرب الصناعة والزراعة عبر فتح الأسواق للبضائع الأجنبية وإلخ)، ما يزال هو نفسه كما كان سابقاً، وما يزال يصب في مصلحة قلة قليلة مستفيدة وبالضد من مصالح عموم السوريين.

هذه الوقائع بمجموعها، مضافاً إليها غياب العدالة الذي يراه الشعب السوري بأم عينه، (فالشعب السوري يعرف أن الأوضاع صعبة ولن يكون من السهل تحسينها في غمضة عين، ولكنه حين يرى حالات البطر والفساد لا يمكن أن يقبل بتحمل الجور والحرمان)... هذه الوقائع بمجموعها، تجعل من المنطقي والطبيعي، أن تتصاعد حركة المتضررين الاحتجاجية شيئاً فشيئاً للدفاع عن مصالحهم، ويجعل من المتوقع أن تتطور هذه الحركة مع الوقت من مستواها المطلبي إلى مستواها السياسي.

 

جنرالات يبحثون عن عساكر!

إن كان كل ما ذكرناه سابقاً أموراً طبيعية ومنطقية، فإن الأمر غير المنطقي وغير المقبول، هو محاولات بعض الشخصيات وأحياناً بعض الأحزاب التي لا يتجاوز عدد أفرادها أصابع اليدين، تنصيب نفسها جنرلات على الحراك الشعبي الصاعد. والملفت في هؤلاء الجنرالات أن القسم الأعظم منهم موجود بشكل دائم خارج البلاد، سواء في أمريكا أو أوروبا أو غيرهما، وبعضهم ينتمي إلى فئة «المؤثرين»؛ أي أولئك الذين لديهم عدد كبير نسبياً من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا النوع من الجنرالات، عن جهل أو تعمد، يغفل الحقائق التالية:

أولاً: عاش الشعب السوري 14 عاماً من المأساة كان أحد أهم معالمها وجود «جنرالات» في الخارج، يمتطون حراك الناس ويحاولون توجيهه بالشكل الذي يناسبهم، (وفي أحيان غير قليلة، بشكل يناسب مصالح الدول التي يعملون معها)... وإن كان عدد كبير من السوريين قد قبل بهذه المعادلة سابقاً، فلأن تجربته السياسية كانت ما تزال غضة، وافترض حسن النية وسلم قياده في مفاصل عديدة لأولئك الذين يرسمون الشعارات والاتجاهات من الخارج... أما اليوم وبعد كل ما جرى، فالناس لن تسلم قيادها لأحد، وستصنع هي قياداتها، وستطور عملها المطلبي نحو المستوى السياسي عبر تجربتها، وعبر اختبارها لمختلف القوى، لطروحات تلك القوى ولسلوكها الملموس.

ثانياً: الوصفة التي تتعامل مع الناس بوصفهم عساكر بحاجة إلى جنرالات، هي عادة وصفة «ثورة مضادة» أو «ثورة ملونة»، يمكنها بأحسن الأحوال أن تبدل سلطة بسلطة، لا أن تغير النظام السياسي جذرياً باتجاه نظام أكثر عدالة يخدم الناس ويخدم مصالحها. ويمكنها بأسوأ الأحوال أن تدخل البلاد في دوامة جديدة من العنف والاقتتال على أسس سياسية شكلياً، وبالعمق قومية ودينية وطائفية...

ثالثاً: الناس بتجربتها أيضاً، باتت تستطيع بسهولة تمييز أولئك الجنرالات الذين يتعاملون بتعالٍ وفوقية معها، على مبدأ «سيلفي والشعب خلفي»... ويستطيعون التمييز بين الحراكات التي ينتجها الناس انطلاقاً من مصالحهم المباشرة، وينظمون أنفسهم ضمنها، وبين تلك التي تنزل عليهم بالبراشوت، سواء من الخارج أو من الداخل...

 

تنظموا... تنظموا!

هل يعني ذلك أن الحركة ينبغي أن تبقى في إطارها المطلبي وألا تتحول إلى المستوى السياسي؟ قطعاً لا. الحركة بتطورها الطبيعي ستجد أن تحقيق المطالب الحياتية المباشرة غير ممكن ضمن حدود النضال المطلبي، إلا بشكل جزئي جداً وغير مستدام. ولذا ستنتقل نحو النشاط السياسي المنظم.

وما معنى انتقالها إلى حراك سياسي منظم؟ معناه أن الحركة التي تبدأ مطلبية في فروع مشتتة ومتنوعة تبدأ بتجميع ومقاطعة مطالبها على المستوى المحلي ثم على المستوى الوطني العام؛ وحين يصبح المطلبي وطنياً عاماً، يكون قد بات سياسياً.

وظيفة القوى السياسية التي تريد الحياة فعلاً، ليس أن تنصب نفسها جنرالات فوق رأس الناس، بل أن تساعدهم بما تملكه من خبرة تاريخية، وأن تتعلم منهم أيضاً، لأن الأشكال الإبداعية التي يخترعها الناس في الدفاع عن مصالحهم هي دائماً أشكال جديدة ومتنوعة، حتى وإن بدت مكررة.

وظيفة القوى السياسية أن تسير إلى جانب الناس، وأن تتقدمهم بخطوة إن استطاعت، وإن قبلت الناس ذلك... فدور أي قوة سياسية يأتي من امتلاكها توصيفاً صحيحاً للواقع، وبرنامجاً لتجاوزه نحو الأفضل، ويأتي من ممارستها ومراكمة الثقة بصحة ما تقوله وتفعله بين الناس...

 

معلومات إضافية

العدد رقم:
0000