افتتاحية قاسيون 1272: التموضع الصحيح لما بعد حرب إيران!

افتتاحية قاسيون 1272: التموضع الصحيح لما بعد حرب إيران!

يشكل العدوان الثنائي (الأمريكي/«الإسرائيلي») على إيران، الحدث الأبرز على الساحة العالمية خلال القرن الحالي. ويكاد يتجاوز في أهمية نتائجه النهائية، الحدثَ الأوكراني؛ علماً أن الحدثين كليهما، هما درجتان ضمن عملية واحدة متكاملة، فحواها انتهاء التوازن الدولي القديم، وانتهاء الهيمنة الأمريكية، وولادة عالم جديد، تتشكل معالمه المختلفة أمام أعيننا، وبسرعة كبيرة.

 

إنّ الفهم الاستباقي للحرب الجارية، ولما ستؤدي إليه من نتائج، ليس مسألة نظرية أو بحثية صرفة، بل هو ضرورة وجودية بالنسبة لكل دول العالم، ولكل القوى السياسية والاجتماعية، وخاصة في منطقتنا، التي تعيش الحدث بشكل مباشر، وبلدنا الذي يعيشها، وهو في حالة صعبة وهشة من نواحٍ متعددة... ما يعني، أن التموضع الصحيح، وبشكل استباقي، هو أمر في غاية الأهمية، ويتوقف عليه مستقبل صاحبه، أكان دولة، أو قوة سياسية، أو تحالفاً إقليمياً.

الحصيلة الواضحة حتى الآن، هي أن أياً من الأهداف الأمريكية و«الإسرائيلية» من الحرب لم يتحقق، وليس هنالك أفق لتحقيقه. بل إن هدفاً «طارئاً» قد بات الهدف الأول للحرب من وجهة النظر الأمريكية على الأقل، وهو إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحاً قبل بدء الحرب. ولعل أوضح ما يمكن أن يقال عن أي حرب عبر التاريخ، هو أن الطرف الخاسر يسعى خلال الحرب للعودة إلى الوضع السابق لها، ببساطة لأنه خاسر، ووضعه بعد الحرب أسوأ منه قبلها. الأمريكي اليوم يسعى جاهداً للعودة إلى وضع ما قبل الحرب، إلى وضع يُعاد فيه فتح مضيق هرمز، والاكتفاء بادعاءاته الإنشائية عن أنه أنهى البرنامج النووي الإيراني، والبرنامج الصاروخي، والواقع يقول: إنه لم ينه لا هذا ولا ذاك، بل ولم يستطع إنهاء التعاون والترابط بين إيران والقوى والمجموعات الإقليمية المتحالفة معها، ولم يستطع إنهاء أي منها، لا هو ولا «الإسرائيلي».

محقٌّ من يشبه العدوان الثنائي اليوم، بالعدوان الثلاثي (أزمة السويس) عام 1956 على مصر من جانب كل من (بريطانيا، فرنسا، «إسرائيل»)؛ فالإمبراطورية البريطانية، وإن كانت قد تراجعت بشدة بعد الحرب العالمية الثانية، كقوة اقتصادية واستعمارية، فإن الإعلان الرسمي عن انتهائها كإمبراطورية، إنما جرى في حرب السويس... واليوم نرى مشهداً مشابهاً بما يخص الولايات المتحدة الأمريكية وإمبراطوريتها.

على المستوى الإقليمي، يجري أمران متوازيان:

الأول: مشروع «إسرائيل الكبرى» ومعه اتفاقات أبراهام والناتو العربي وإلخ، كلها يجري إنهاؤها مرة وإلى الأبد. وتلك الأنظمة في منطقتنا التي مضت أشواطاً في هذه المشاريع، تتضرر بقدر سيرها بتلك المشاريع؛ كل من سار خطوة إضافية يلقى دماراً إضافياً وتراجعاً إضافياً في الدور والحضور واحتمالات الوزن المستقبلي.

الثاني: هو أن الدول الإقليمية الأساسية في منطقتنا، ونتيجة فهم التوازنات الدولية الجديدة من جهة، ونتيجة لكونها مهددة مباشرة من المشروع «الإسرائيلي»- الأمريكي، تجد نفسها في حالة تقارب موضوعي للدفاع عن الذات، ونقصد على وجه التحديد ما أسميناه «التحالف الخماسي»، دول «طوق الطوق»، أي: (السعودية، مصر، تركيا، إيران، باكستان).

في سورية، فإن التموضع الصحيح والمبدئي والمنجي، هو التموضع ضمن لوحة العالم الجديد قيد التشكل، أي مع وحدة سورية، ووحدة شعبها، ضد مخططات التفجير والتخريب «الإسرائيلي» والأمريكي على حد سواء.

وهذا يعني ضمناً، نموذجاً اقتصادياً مختلفاً عن توصيات ووصفات صندوق النقد والبنك «الدوليين»=الأمريكيين. أي مختلفاً عن اللبرلة الاقتصادية المتوحشة. ويعني الاعتماد على الذات بالدرجة الأولى، والتوقف عن تعاطي أوهام التمويل والدعم الخارجي، وخاصة الغربي، بل وحتى الخليجي.

وبالتوازي، فإنه يعني المضي بسرعة نحو توحيد الشعب السوري داخلياً، ابتداءً بحكومة وحدة وطنية كاملة الصلاحيات، وتضم القوى السياسية والاجتماعية الأساسية، وتكون مهمتها الأولى هي: العمل من أجل المؤتمر الوطني العام الشامل، كأداة بيد الشعب السوري لإنفاذ حقه في تقرير مصيره بنفسه.

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1272
آخر تعديل على الأحد, 05 نيسان/أبريل 2026 19:37