تحية للقابضين على الجمر في ذكرى وفاة قائد الثورة السورية الكبرى

تحية للقابضين على الجمر في ذكرى وفاة قائد الثورة السورية الكبرى

تفرض الرموز الوطنية السورية نفسها على المشهد السوري، كما لو أن أبطال الاستقلال قادرون حتى بعد رحيلهم عن عالمنا أن يقدموا المزيد، فهم في الواقع مصدر مستمر لـ«وقود وطني» ضروري، تحديداً في لحظات خطرة، مثل التي نعيشها اليوم، فشخصيات، مثل: سلطان الأطرش القائد العام للثورة السورية الكبرى، وصاحب الإرث الوطني العريق والممتد، لم يبخل طوال حياته، وهو قادرٌ بإرثه حتى اليوم أن يكون واحداً من قناديل كثيرة تضيء لنا الطريق، وتستنهض من شباب سورية أجيالاً جديدة تشق طريقها رغم وعورة الدرب.

في ذكرى وفاته، ومن ضريح سلطان الأطرش في بلدته القريا في السويداء، جاء درسٌ جديد ينبغي الاستماع له باهتمام، وبعيداً عن الخنادق الضيقة التي يحاولون حشرنا ضمنها، إذ تجمّع في هذه المناسبة عددٌ من أبناء المحافظة، ليظهر أن إرث سلطان الأطرش يتعرّض لمحاولة طمسٍ جديدة، وذلك بعد أن رفض «الحرس الوطني في السويداء» استخدام شعار الثورة السورية الكبرى «الدين لله والوطن للجميع» وذلك بعد استخدامه في إحدى الكلمات التي قُدّمت في ذكرى وفاة القائد العام للثورة، ورفض هذا الشعار بالتحديد، وفي هذه الأيام، هو نهج تتبناه مجموعات مختلفة ليست موجودة في السويداء وحدّها.. بل في سورية كلّها، ومن يهاجمون الشعار اليوم يتحولون- سواء أدركوا ذلك أو لم يدركوه- إلى فرقة واحدة، في مقابل فرقة أخرى موجودة في سورية كلّها أيضاً وتصر على التمسك بهذا الشعار.
«الدين لله والوطن للجميع» لم يكن يوماً قولاً مأثوراً فحسب، بل هو في الواقع خلاصة تجربة تاريخية طويلة التف حوله السوريون بعد أن أثبت الواقع صحته، والحقيقة، أن السوريين، وبسبب سياسات الأنظمة في سورية من بعد الاستقلال، وتحديداً منذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، فرض عليهم التعامل مع الإرث الوطني بوصفه «موضوع تعبير» بدلاً من تقديمه مادةً حيّة للدراسة والتعلم كما هو في الحقيقة، فهذا الإرث ليس زينةً للمناسبات الوطنية يعاد إلى المخازن بعد انتهاء المناسبة، بل هو سلسلة مترابطة من الدروس والخلاصات، احتاجت عقوداً طويلة من النضال والكثير من التضحيات، وهي لذلك منتجٌ وطني مقدس عابر للأنظمة والتيارات السياسية، وينبغي أن يظل حاضراً دائماً.
حاول الاحتلال الفرنسي في سورية فرض التقسيم، وطرح مشروعه هذا مدعوماً بقوة عسكرية عظمى، ورغم انهيار هذا المشروع في نهاية المطاف، إلا أنه مرّ بأطوارٍ تاريخية طبيعية، فعلى الرغم من رفضه من شخصيات وطنية مرموقة، إلا أن الطرح قُدّم للسوريين في حينه بوصفه «حلّاً لمشكلة الاختلاف» وليس من المعيب أن نعترف أن الأوهام الفرنسية لقيت بعض الآذان هنا وهناك، ورأى بعض السوريين خيراً في مشروع التقسيم، قبل أن يتحولوا هم أنفسهم إلى ثوار يقاتلون ضده، والسويداء نفسها لم تكن استثناءً، فهناك من قَبل بدولة «جبل الدروز» وهؤلاء لم يكنّوا الاحترام لشخصية سلطان الأطرش، بل رأوا في طرحه خروجاً عن «الجماعة» وكان سلطان الأطرش وغيره من شخصيات السويداء المعروفة، كالقابضين على الجمر، متيقنين من صوابية طرحهم، ويتحملون شتى أنواع الضغوط، قبل أن يتحوّل طرحهم إلى الطرح السائد المقبول،
والتفت حولهم الغالبية العظمى، ما حولهم إلى رموزٍ خالدة حتى يومنا هذا، بينما لم يعد هناك أي مكانٍ لأصحاب الطرح الآخر، بعد أن سارت عجلة التاريخ باتجاهٍ معاكس.
بالعودة إلى شعار الثورة، كان هو أيضاً طرحاً مخالفاً لرغبة الكثيرين، لكن النضال ضد الاستعمار لم يكن من الممكن أن يستمر إن قبل السوريون بطوائفهم بديلاً عن هوية جامعة واحدة، وكان الشعار فعلياً الرد الوحيد الممكن للدفاع عن مصلحة السوريين جميعهم، وإلى جانب النضال ضد الاستعمار كان وجوباً على السوريين أن يناضلوا ضد الطائفية، وكل الأفكار المشتقة منها، والتاريخ يشهد أن أبطال الاستقلال كانوا شديدي البأس مع ما تسلل من الطائفية ضمن صفوف السوريين، وكان لهم ما يكفي من الجرأة لمحاسبة كل من يقع في هذا الإثم أيّاً يكن. وفي تاريخ الثورة السورية وقائع لمحاكمات قاسية ضد كل مخطئ، منها ما يرد عن محاكمة قادة الثورة لواحد من ثوار سورية والمناضلين ضد الاستعمار العثماني والاستعمار الفرنسي، الذي رغم إسهاماته البطولية الكثيرة، إلا أن اخطاءً ارتكبت ونسبت إليه، كان منها ممارسات طائفية في منطقة القلمون، وتقديم المصلحة الشخصية على مصلحة الثورة في ريف دمشق، أدت مع ممارسات أخرى لمحاكمته من قبل الدمشقي حسن الخراط وآخرين وجُرد على إثرها من سلاحه وأوسمته، وبالرغم من أن صحة هذه الاتهامات كانت موضعاً للبحث، إلا أن عدداً من المصادر التاريخية تؤكد وقوع المحاكمة، وهذه واحدة من براهين كثيرة تثبت أن شعار «الدين لله والوطن للجميع» لم يكن مجرّد يافطة، بل هو نهجٌ صارم فرضه الواقع أمام السوريين، بغض النظر عن رغباتهم وأهوائهم.

بالعودة إلى ما جرى في ذكرى وفاة سلطان الأطرش، فهناك ومن ضريحه بدا الهجوم عليه بوصفه رمزاً وطنياً سورياً أمراً شديد الصعوبة وتحديداً كونه يتمتع بمكانة كبيرة في ذاكرة أبناء السويداء، وجزءاً يفخرون به من تاريخهم، لذلك وبدلاً من الهجوم على قائد الثورة السورية نفسه كان الهجوم على طروحاته ونهجه، كما لو أنه بالإمكان الفصل بين هذا وتلك، وأولئك الذين أصروا على التمسك بالشعار المقدس وجدوا أنفسهم معتقلين قبل أن يجري إطلاق سراحهم لاحقاً.

الحقيقة التي ينبغي لنا أن نواجهها هي أن التمسك بهذا الشعار على المستوى السوري العام اليوم ليس بالأمر اليسير ولكنّه الضامن الوحيد لبقائنا وسلاحنا للدفاع عن مصالحنا كسوريين، فمن يحاول اليوم إعادة السوريين إلى الخنادق الضيقة لا يوجد في السويداء وحدها، بل هم أيضاً من ارتكبوا مجازراً طائفية في حق السوريين في الساحل وغيره، وهم أنفسهم من «أغاروا» على السقيلبية منذ بضعة أيام، وهم من يحاولون فرض هوية طائفية واحدة على الجميع، هؤلاء هم أيضاً أبناء سورية، لكنّهم ضلوا طريقهم، ومع ذلك سنجدهم يلتفون حول المشعل المضيء حين يرونه، فتاريخ الشعوب لا يستورد ضمن مواصفاتٍ قياسية محددة بل هو نحتٌ في الصخر ويحتاج عملاً شاقاً وإلزامياً، ومن يرى اليوم أن «الدين لله والوطن للجميع» هم كمثل أجدادهم من قبلهم قابضين على الجمر، متيقنون من صوابية ما يفعلون ويعملون بلا تعب من أقصى شمال سورية إلى أقصى جنوبها.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1271