افتتاحية قاسيون 1271: مرة أخرى: لماذا حكومة الوحدة الوطنية؟
يخطئ من يظن أن الحدث الذي جرى في السقيلبية في حماة، مساء يوم الجمعة الماضي، هو حدث محلي معزول عن سياق سوري عام، وعن سياق إقليمي أعم، ومخطئ أكثر من يتعامل معه على أنه حدث عابر أو «فردي» ليس وراءه شيء، وليست بعده أشياء...
على المستوى السوري، هنالك ارتباط واضح بين ما جرى في السقيلبية، وبين سلسلة من الأحداث التي سبقته؛ ابتداء بالشرارة التي تمثلت بقرار محافظة دمشق رقم 311 المتعلق بحصر بيع الكحول في مناطق محددة من دمشق، تحمل صبغة دينية اجتماعية محددة، ومروراً باعتصام باب توما، وبالاعتصام المضاد في كلٍّ من ساحة العباسيين وساحة عرنوس، ووصولاً إلى حدث السقيلبية.
الخيط «المحلي» الذي يربط هذه السلسلة من أولها إلى آخرها، أنها تمحورت حول قَسم السوريين ضد بعضهم البعض، وعلى أسس دينية وطائفية (وقومية أيضاً، إن أضفنا للتحليل حادثة إنزال العلم في عفرين والتوترات التي تلتها). الخيط هو قَسْم السوريين على أساس تناقضات ثانوية، بعيدة عن الهم الأساسي الذي يوحد 95% من السوريين بمختلف قومياتهم وأديانهم وطوائفهم: أي الفقر، وارتفاع الأسعار، والوضع الاقتصادي الاجتماعي المتردي بشكل متصاعد، وغياب أي حلول حقيقية لأي نوع من الأزمات الكبرى التي تعيشها سورية، اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، ناهيك عن غياب أي مشاركة سياسية حقيقية...
بكلام آخر، فإن تصاعد العمل من أجل ضرب السوريين ببعضهم البعض على أسس قومية ودينية وطائفية، هو مصلحة مباشرة للفاسدين الكبار وتجار الحروب من مختلف الأطراف الداخلية، والذين لا مصلحة لهم بتوحيد السوريين حول مصالحهم الحقيقية، لأن فئة الـ5% ستكون متضرراً مباشراً من توحد السوريين.
توسيع زاوية الرؤية لتشمل المستوى الإقليمي، يسمح برؤية أكثر واقعية، ويسمح بإيجاد نقاط الالتقاء المخفية بين المحلي والإقليمي؛ فـ«الإسرائيلي» الذي أعلن سابقاً عبر صحفه، أنه يريد لسورية أن تكون أول مثال ضمن مشروع «إسرائيل العظمى»، أي عبر تقسيمها وضرب سكانها ببعضهم البعض، واحتلال أجزاء إضافية منها، بات اليوم يتحدث بأشكال رسمية، وشبه رسمية عن الشروع في التنفيذ، بما في ذلك تهديد بن غفير العلني باغتيال الرئيس الانتقالي السوري.
عند نقاش الحرب على إيران، يعترف كل محلل عاقل على وجه هذه الأرض، بما في ذلك قسم مهم من المحللين الأمريكيين، أن كلاً من الولايات المتحدة و«إسرائيل» قد تورطتا في حرب استنزاف ستخسرانها بالضرورة، وستكون لخسارتهما آثار كبرى على المستويات المختلفة، بما في ذلك عبر تبخر مشروع «إسرائيل العظمى»، ما يعني: أن «الإسرائيلي» سيلجأ للتعويض عن الخسارة جزئياً، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. والمكان الأسهل (للأسف) هو سورية، لأنها خاصرة ضعيفة بكل المعاني، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ووطنياً.
كل عملية توتير إضافية على أسس قومية ودينية وطائفية، هي مراكمة وتمهيد لانفجارات لاحقة، ربما تكون قريبة جداً، ولا يجوز التعامل معها باستخفاف وبقلة مسؤولية.
لذلك كله، فإننا أمام مرحلة شديدة الخطورة على المدى القريب، وليس لدينا ما ندافع به عن أنفسنا إلا توحيد شعبنا، وإغلاق الثغرات التي يتسلل منها التخريب الخارجي والفساد الكبير الداخلي، أياً يكن الطربوش أو الأيديولوجية التي يدعيها.
الطريق السريع والوحيد لتوحيد عاجل وحقيقي للسوريين لمواجهة الاحتمالات الخطرة المختلفة، هو حكومة وحدة وطنية حقيقية، ذات صلاحيات فعلية، وتضم التيارات السياسية والاجتماعية الأساسية في البلاد، وتكون الخطوة الأولى نحو مؤتمر وطني عام وشامل، يقرر السوريون من خلاله مصيرهم بأنفسهم.
هذا الطريق مشروط زمنياً، وعدم الدخول فيه ضمن وقته الموضوعي المتاح، وهو وقت قصير، يعني الدخول حتماً في طريق انفجارات جديدة لن يخرج منها أي طرف سوري رابحاً، إن خرج أصلاً!
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271