ليس هنالك شيء «بريء» في التوتير الجاري في سورية!
يمكن لمن يتابع تفاصيل الشأن السوري، أن يلاحظ أن هنالك عمليات توتير متصاعدة تجري في عدة مناطق من سورية بشكل متواز؛ وكالعادة، عبر محاولة إشعال فوالق قومية وطائفية ودينية.
آخر ما حرر هو (السقيلبية/القلعة) في حماة، حيث جرى تحميلُ إشكال من النمط الذي يمكن أن يجري على المستوى الاجتماعي في أي وقت، ويمكن أن يحل عبر احتواء اجتماعي تقليدي، أبعاداً دينية بغيضة، تضمنت اعتداءات واسعة النطاق على السكان الآمنين، وتدميراً ونهباً لممتلكات خاصة، بالتوازي مع إطلاق شتائم وتهديدات وشعارات طائفية... وبطبيعة الحال، فقد لعب الشيطان الأزرق المسمى فيسبوك دوره الرديف في التأجيج وإشعال الفتن.
قبل ذلك، كان اعتصام باب توما الذي جاء نتيجة ورد فعل على قرار لمحافظة دمشق ومن ثم الاعتصام المضاد في عرنوس والعباسيين، وما رافقهما من حملات تحريض طائفي وديني؛ ضمن سلسلة واحدة مترابطة ابتداء من قرار المحافظة ووصولاً إلى السقيلبية...
والاعتصامان إن كانا جاءا نتيجة مباشرة لقرارات محافظة دمشق، ولكنهما ليسا نتيجة لهذه القرارات وحدها، بل وأيضاً لجملة من المظاهر التي تجري محاولة فرضها، والتي تترك جانباً الأزمات الكبرى التي يعانيها 95% من السوريين من مختلف القوميات والأديان والطوائف، وعلى رأسها الوضع الاقتصادي الاجتماعي، وتركز اهتمامها على قضايا ثانوية من شأنها تفريق هؤلاء الـ95% وإشغالهم ببعضهم البعض.
في السويداء، وصلت الجرأة (وربما اليأس) ببعض المنتسبين إلى «الحرس الوطني» إلى الاعتراض على شعار الثورة السورية الكبرى، وقائدها سلطان باشا الأطرش «الدين لله والوطن للجميع»، وذلك أمام ضريحه وفي ذكرى وفاته، وصولاً إلى اعتقال عدد من زوار الضريح، تم إطلاق سراحهم لاحقاً. واعتراض هؤلاء على «الدين لله والوطن للجميع» يأتي نسخة طبق الأصل عن اعتراض أقرانهم الموجودين على الضفة المقابلة، الذين يحرضون ضد طائفة بأكملها، مرة على أساس طائفي بحت، ومرة أخرى عبر التخوين والقتل الطائفي... لنكون أمام مشهد مكرر عبر 15 عاماً، حيث يتقاطع تجار الحرب في سلوكهم وشعاراتهم على حد سواء.
قبل ذلك، جرى أيضاً توتير خطير بدأ بقصة إنزال العلم في عفرين، وتحول إلى حملات تحريض قومي واسعة النطاق، تضمنت أعمال تخريب وحرق في مناطق متعددة من البلاد، وتم احتواء الأمر، ولكن مع زيادة عتبة الأخطار مجدداً.
الأحداث التي أشرنا إليها أعلاه، ليست كل ما جرى خلال الأيام القليلة الماضية، ولكن ربما هي أبرز الأحداث في إطار التوتير الداخلي في البلاد على أسس دينية وقومية وطائفية. ومحاولة قراءة كل حدث منها بشكل منعزل عن الوضع السوري العام، وعن الوضع الإقليمي العام، هي محاولة محكومة بالفشل مسبقاً، بل ومحكومة بأن تسهم في المزيد من التوتير في نهاية المطاف.
ولكي نحاول تقديم قراءة موضوعية لهذه الأحداث، سنحاول أن نقسم العرض إلى قسمين أساسيين، داخلي، وخارجي.
داخلياً: الهروب إلى الأمام
الأكيد، هو أن 95% من السوريين، المعترين المفقرين المنهوبين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف، ليست لهم أي مصلحة في الاقتتال فيما بينهم على أسس دينية وطائفية وقومية.
من له مصلحة في إشغال الناس ببعضها البعض هم الفاسدون الكبار، وتجار الحروب الموجودين في مختلف الأطراف، وبطبيعة الحال، فإن المسؤولية القانونية والسياسية الأساسية تقع على عاتق السلطة القائمة، التي تظهر عجزاً واضحاً عن حل أي أزمة من الأزمات التي تعيشها البلاد، ويعيشها المجتمع، وعلى رأسها الأزمات الاقتصادية الاجتماعية؛ إذ إن الوقائع تقول: (بغض النظر عن الأرقام التي يجري عرضها عن الوضع الاقتصادي، وبغض النظر عن الاحتيال الذي تقوم به أطراف دولية، بينها توم براك ومشاريعه الافتراضية التي لا أساس لها) إن وضع الناس من سيئ إلى أسوأ، الصناعة والزراعة، أو ما تبقى منهما، يعاني موتاً متعاظماً، والأسعار في ارتفاع مستمر، والفقر في تصاعد مستمر... ناهيك عن أن الفساد الكبير عاد للظهور بشكل مستفز، حيث قلة قليلة تُظهر بطرها وتسلطها فوق جوع الناس وفقرها. وناهيك أيضاً عن أن كل حديث عن المشاركة السياسية، وحق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، قد تم اختزاله حتى الآن، بالمعنى العملي، تحت شعار «من يحرر يقرر».
ضمن هذه الإحداثيات، وأمام العجز الفعلي، أو المعرفي عن حل مشاكل الناس، وعن توحيدهم بالاتجاهات التي تخدمهم، يصبح الخيار لدى البعض هو تفريق الناس وإشغالهم ببعضهم البعض، لإلهائهم عن النضال المشترك من أجل قضاياهم الوطنية العامة.
خارجياً: الخاصرة الضعيفة
في البعد الخارجي لما يجري في سورية، لا يمكن القفز فوق الحرب الجارية، وفوق العمل «الإسرائيلي» الحثيث على ضرب السوريين ببعضهم البعض، على أسس قومية ودينية وطائفية، ولا يمكن القفز حول احتمالات لجوء الصهيوني إلى التعويض عن خسارته التي باتت محققة في الحرب، ومعه الأمريكي، في سورية تحديداً، بوصفها الخاصرة الأضعف في المنطقة.
بهذا المعنى، فإن البلاد تمر بمرحلة شديدة الخطورة، ولا يمكن تجاوزها بأمان إلا عبر طريق واحد، هو توحيد الشعب السوري بعيداً عن العقول الطائفية والقومية المتعصبة والضيقة، التي تلعب من حيث تدري، أو لا تدري، دور خادم للمصالح «الإسرائيلية».
ما يوحد الشعب السوري عملياً وواقعياً، هو أنه بمجمله تحت خط الفقر، أي 95% من السوريين هم تحت خط الفقر، وهو أنه بمجمله متضرر من الفساد والتسلط الداخلي أياً كان مصدره، ومتضرر من التخريب الخارجي أياً يكن مصدره، وبالدرجة الأولى التخريب «الإسرائيلي».
توحيد الشعب السوري، يعني تمكينه من تقرير مصيره بنفسه، عبر حكومة وحدة وطنية حقيقية، تضم التيارات السياسية والاجتماعية الأساسية في البلاد، وتكون ذات صلاحيات حقيقية، وتكون مهمتها الأولى هي: العمل لعقد المؤتمر الوطني العام الشامل والجامع لكل السوريين، بمختلف قواهم السياسية والاجتماعية، لكي يتوافقوا على الحلول الشاملة للأزمات المختلفة التي يعيشونها جميعاً...
ليس هنالك شيء «بريء» فيما يجري؛ الفاسدون الكبار وتجار الحرب الداخليون من كل الأطراف، هم الوجه الآخر للصهيوني، وكلاهما عدو للشعب السوري، وأداتهما المفضلة هي «فرق تسد»، بالضبط لأنهم جميعاً اشتقاق تاريخي من الرسمة الاستعمارية التقليدية البريطانية نفسها، بأطوارها وتطوراتها المختلفة...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1271