هل حرب إيران مربحة حقاً للمجمَّع الصناعي العسكري الأمريكي؟
يجادل البعض بأن المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وبغض النظر عن كيفية سير الحرب في إيران وعن نتائج تلك الحرب، رابحٌ بالضرورة؛ لأن البضاعة التي يبيعها (أي الصنوف المختلفة من الأسلحة التي ينتجها)، تعيش حالة طلبٍ عالٍ جداً، ليس آنياً فقط، بل وخلال عدة سنوات مقبلة... فالصواريخ الاعتراضية التي تم استهلاكها على سبيل المثال، بحاجة إلى تعويض بالحد الأدنى إنْ لم نقل إنها بحاجة إلى مضاعفتها عدة مرات.
يذهب البعض خطوات أبعد في تحليل المسألة ليخرج باستنتاجات من نمط: ما دام المجمع الصناعي العسكري الأمريكي مركزاً أساسياً من مراكز السلطة في الولايات المتحدة، وما دام سيخرج رابحاً، فالسلطة العميقة الأمريكية، بل وأمريكا نفسها، ستخرج رابحة بكل الأحوال. وربما يستند جزء من القائلين بهذا الاستنتاج إلى مقولات كلاسيكية صحيحة في الماركسية، من قبيل إن «الحرب هي الرئة الحديدية التي تتنفس منها الرأسمالية»، وأنها بهذه الحرب تنفِّس عن جزء من أزمتها.
أدوات القياس
أخطر ما يمكن أن يقع فيه المرء وهو يحاول فهم واقع جديد، هو أن يستخدم أدوات القياس القديمة دون اختبار مدى صلاحيتها الراهنة. لا نقول إن كل أداة قياس قديمة يجب التخلي عنها في التعامل مع وقائع جديدة؛ لأن ذلك يعني التخلي عن كل أداة قياس على الإطلاق، ويعني التخلي تالياً عن أي مقاربة علمية للوقائع الجديدة (لأن كل أداة قياس تواجه الجديد بوصفها شيئاً قديماً مقارنة به). ما نقوله بالضبط، هو أنه ينبغي اختبار صلاحية أدوات القياس القديمة قبل استخدامها مجدداً، وهذا يعني ضمناً اختبار المفاهيم والقناعات القديمة قبل الاستناد إليها آلياً، وعدم التعامل معها على أنها قوانين مطلقة لكل زمان ومكان...
ولماذا نبدأ بهذه المقدمة «الفلسفية»؟ لأن مجابهة فكرة مركزية المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، ومجابهة فكرة أن الحرب هي بالضرورة الأداة الأساسية لتحقيق الربح للمجمع الصناعي العسكري، هي ضرب من الخروج على المألوف بالنسبة للكثيرين... ولنترك الفلسفة جانباً ونقسم حديثنا بشكل عملي إلى الأجزاء التالية:
أولاً: ما هو المجمع الصناعي العسكري الأمريكي؟
ثانياً: ما هو الدور التاريخي الذي لعبه المجمع الصناعي العسكري؟
ثالثاً: ما الجديد اليوم؟
رابعاً: هل يربح فعلاً؟ وهل تربح أمريكا؟
أولاً: ما هو المجمع الصناعي العسكري الأمريكي؟
المجمع الصناعي العسكري الأمريكي هو تكتل صناعي-مالي-سياسي شديد الضخامة، يضم مجموعة كبيرة من شركات إنتاج السلاح وشركات أخرى فرعية ضمن عملية الإنتاج (يصل العدد الإجمالي إلى أكثر من 50 ألف شركة، تقودها خمس شركات عملاقة، هي لوكهيد مارتن، بوينغ، رايثيون، نورثروب غرومان، جنرال داينمكس)، وإلى جانب الشركات، تكتل سياسي ضمن البنتاغون وضمن الكونغرس بغرفتيه.
ورغم أن التشكل الفعلي لهذا المجمع قد بدأ مع انطلاق الحرب العالمية الثانية عام 1939، إلا أن الانتباه العالمي نحوه، بدأ بالتصاعد بشكل عاصف مع الخطاب الوداعي للرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور في 17 كانون الثاني 1961، والذي صاغ فيه للمرة الأولى مصطلح المجمع الصناعي العسكري (military-industrial complex)، وفيه حذر أيزنهاور من تنامي سطوة وسيطرة هذا المجمع، قائلاً: «يُعدّ هذا التضافر بين مؤسسة عسكرية ضخمة وصناعة أسلحة واسعة النطاق أمراً جديداً في التجربة الأمريكية. ومع ذلك، يجب ألا نغفل عن فهم تداعياته الخطيرة. في مجالس الحكم، يجب أن نحذر من اكتساب المجمع الصناعي العسكري نفوذاً غير مبرر، سواء كان ذلك مطلوباً أم لا. إن احتمال صعود قوة في غير محلها بشكل كارثي قائم وسيستمر».
ثانياً: ما هو الدور التاريخي الذي لعبه المجمع الصناعي العسكري؟
إضافة إلى الدور الواضح في تطوير وتصنيع السلاح الأمريكي، والقسم الأعظم من سلاح دول الناتو والمنظومة الغربية ككل، فإن المجمع قد لعب أدواراً متعددة في صلب الاقتصاد والسياسة ضمن الساحة الأمريكية والعالمية.
أحد أهم الأدوار البارزة هو لعبه لدور مشغل الرئة الحديدية، أي مشعل الحروب في أماكن مختلفة من العالم؛ ليس لتأمين أرباح أعلى وتصريف البضائع فحسب، بل وأهم من ذلك، لهضم واستيعاب أزمة فائض الإنتاج الدورية ضمن الرأسمالية، عبر تحويل الفائض إلى بضاعة من نوع خاص (السلاح)، يمكن خلق طلب اصطناعي عليها خلافاً للقسم الأكبر من البضائع ضمن العالم الرأسمالي، التي تصطدم بحاجز موضوعي هو حجم الطلب مقارنة بالعرض... بالنسبة للسلاح، الأمر بسيط: أشعل حرباً وستضطر كل الأطراف المتحاربة لشراء السلاح. أجِّج الحرب أكثر، أو حتى التهديد بها، وبِعِ المزيدَ والمزيدَ من السلاح.
بهذه الطريقة، لعب المجمع الصناعي العسكري دوراً هاماً في تأمين مخارج مؤقتة من حالات الكساد الدورية التي يعيشها أي اقتصاد رأسمالي، ولعل نشأته الأولى قد تأسست على واحدة من تلك الحالات: الكساد العظيم لعام 1929.
وبطبيعة الحال، فقد لعب المجمَّع دوراً أساسياً في تكوين القاعدة المادية للسيطرة العسكرية السياسية والاقتصادية الأمريكية في بقاع مختلفة من العالم، عبر ما يزيد عن 800 قاعدة عسكرية خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً: ما الجديد؟
ما قلناه في أولاً وثانياً، قديمٌ كله؛ يعود إلى أواسط الستينيات تقريباً. ولم يصبح خاطئاً بعد، ولكنه لم يعد إلا جزءاً من ظاهرة أشد ضخامة وتعقيداً.
1- قطاع التصنيع العسكري كان في النصف الأول من القرن العشرين بين أكثر القطاعات الاقتصادية ربحية، ولذا فقد ركض نحوه عدد كبير من رؤوس الأموال الكبرى، عملاً بالقانون الموضوعي المعروف الذي كشف عنه ماركس: «السعي نحو الربح الأعلى».
2- مع بريتين وودز 1944 ومن ثم اكتمال تكون منظومة التبادل اللامتكافئ أواسط الستينيات (مقص الأسعار، الدَّين، التبعية التكنولوجية، هجرة العقول)، بات القطاع المالي هو القطاع الذي يتم ضمنه جني أعلى معدلات الربح على الإطلاق، وباتت الصناعة بمختلف أشكالها تابعاً للقطاع المالي الذي يلتهم عبر البنوك والمشتقات والتحكم بأسعار الفائدة، القسم الأكبر من القيمة الزائدة التي يتم إنتاجها في المعامل. وإن كان القطاع المالي عموماً قد بات مكان الحصول على القسم الأكبر من الربح ضمن المنظومة الرأسمالية، فإن القطاع المالي الدولاري تحديداً، بات مكان تجميع القسم الأكبر من الأرباح من كل أنحاء العالم، عبر التزاوج بين التبادل اللامتكافئ، والدولار عملة عالمية... لأن الدولار نفسه بات البضاعة الأعلى ربحاً في العالم، (يتم إنتاجه بقيمة قريبة من الصفر، ويباع بقيمته الاسمية). أي أن تجارة الدولار أصبحت التجارة الأهم والأخطر والأكثر ربحية في العالم بأسره، بمعدلات ربح فلكية لا يمكن حتى الحلم بها عبر صناعة السلاح أو الصناعات التكنولوجية أو أي نشاط اقتصادي آخر.
3- الشرط الأساسي لعملية الربح/النهب الفلكية عبر الدولار، هو بقاء الدولار مفروضاً كعملة عالمية. وهو أمر تعرض لخطر كبير مطلع السبعينيات مع إنهاء معاهدة بريتين وودز التي كانت تربط إصدار الدولار باحتياطات محددة من الذهب (لم يلتزم الأمريكيون بها في أي يوم من الأيام)، لأن انكشاف الدولار، أي غياب التغطية الذهبية، سيخلق تضخماً هائلاً ويجعل من العملة ورقاً بلا قيمة، ويفقده دوره كمعادل عام وكوسيلة دفع وكأداة للتداول، وبالتالي ستنتهي «التجارة»/عملية النهب، الأكثر ربحاً في التاريخ.
4- لمنع ذلك تم اختراع منظومة البترودولار، التي ربطت بين الدولار والنفط، وأجبرت العالم بأسره على شراء النفط بالدولار، وبالتالي خلقت طلباً إجبارياً في كل العالم على الدولار، وأمّنت غطاءً مادياً للدولار، ولاستمرار طباعته، واستمرار نهب العالم عبره. وضمن هذه المعادلة، لعب المجمع الصناعي العسكري دوراً أساسياً؛ فهو الذي أمن القاعدة المادية لبناء القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي وفي أماكن متعددة من العالم، بوصفها جزءاً أساسياً من معادلة البترودولار، وبوصفها الحامي لتلك المعادلة. إضافة إلى دور القواعد الأمريكية والأساطيل الأمريكية، في تكريس السيطرة البحرية، وتكريس التجارة البحرية حول العالم، بالضد من التجارة عبر البر؛ والتجارة البحرية بدورها هي أساس مادي لا غنى عنه في معادلات التبادل اللامتكافئ (الاستعمار الاقتصادي).
5- بهذا المعنى، فإن المجمع الصناعي العسكري، لم يعد المكان الذي يتم ضمنه تحصيل الربح الأعلى، بل بات واحداً من أدوات الدفاع عن الدولار بوصفه هو مكان تحقيق الربح الأعلى... بكلامٍ آخر، المسألة منذ وقت طويل لم تعد متعلقة بأسهم شركات السلاح الكبرى، ونوعية الأسلحة التي تبيعها، ومن يشتريها وإلخ... بل باتت تتعلق بالدور المحوري للمجمع في الدفاع عن الدولار كعملة عالمية إلزامية، كجزء من منظومة متكاملة يقف على رأسها منتج الدولار (البنك الفيدرالي الأمريكي).
6- يزداد المشهد تعقيداً حين نلمس العلاقة غير المعلنة بين المجمع وشركات التكنولوجيا العملاقة الثماني (إنفيديا، آبل، ألفابت/غوغل، مايكروسوفت، أمازون، ميتا، تسلا، تايوان لأشباه الموصلات TSMC). هذه الشركات كلها عملياً، ورغم أنه قد تم تظهيرها كـ«إنجازات إبداعية فريدة، لأفراد مبدعين فريدين»، قد استندت إلى منجزات تكنولوجية عسكرية غير متاحة لا لعامة الناس ولا حتى للباحثين والعلماء... بكلام آخر، فإن هنالك ما يكفي من القرائن المنطقية، للقول إن هذه الشركات العملاقة نفسها، هي عملية «shadow outsourcing / تعهيد خارجي غير معلن»، قام بها كل من المجمع الصناعي العسكري والبنك الفيدرالي الأمريكي. أي أن البحث عن أرباح المجمع الصناعي العسكري، ومعدلات تلك الأرباح، ينبغي أن ينطلق لا من معدلات ربح السلاح، بل من معدلات ربح الدولار كعملة، ومنظومة البنك الفيدرالي التي تنتجه وتديره، ومن أرباح شركات التكنولوجيا العملاقة أيضاً... وفي الجوهر من البحث وراء المالكين الفعليين لهذه القطاعات «المختلفة»، التي في كثير من الأحيان، يتقاطعون عند رأس الهرم، وإن اختلفوا في وسطه وقاعدته.
رابعاً: هل يربح فعلاً؟ وهل تربح أمريكا؟
استناداً إلى محاولة الفهم المعروضة أعلاه، يمكن الإجابة بأن تحقق عملية الربح (للمجمع الصناعي العسكري، ولأمريكا كدولة، وللنخبة المالية الحاكمة كمركز حقيقي للسلطة)، كلها ليست مرتبطة بموضوع بيع السلاح مباشرة، بل بالحفاظ على الدولار كعملة عالمية، والحفاظ على التبادل اللامتكافئ والحفاظ على سيطرة التجارة البحرية على البرية.
بهذا المعنى، فإن التهديد الذي تتعرض له منظومة البترودولار في الحرب الجارية على إيران، هو تهديد وجودي للمجمَّع حتى ولو وقَّع عقوداً كبرى لعشرات السنين القادمة.
ناهيك طبعاً عن أنه لم يوقِّع، ولا يبدو أنه سيوقِّع لأسباب باتت ظاهرة وواضحة:
1- دائماً ما كانت الموازنة العسكرية الضخمة للولايات المتحدة مقارنة بمنافسيها أمراً مثيراً للتساؤل: على سبيل المثال وصلت موازنة البنتاغون لعام 2025 إلى 900 مليار دولار، بمقابل 245 مليار دولار في الصين، و145 مليار دولار في روسيا للعام نفسه.
2- التفسير الأول الذي يحضر للذهن هو الفارق في تكاليف الإنتاج، انطلاقاً من اختلاف مستوى الأجور، وضمناً التكاليف الأعلى للمواد الأولية. ولكن هنالك بعداً آخر كشفت عنه الحرب الحالية: فقد ثبت أن العقيدة القتالية الأمريكية (النظامية)، قد باتت شيئاً متقادماً إلى حد كبير من وجهة نظر الجدوى الفعلية، فحاملات الطائرات والحرب الجوية المتقدمة بكل أدواتها، لم تعد قادرة في ظروف حربٍ غير متناظرة على تحقيق نتائج كانت تحققها سابقاً (إنْ بقي لها أن تحقق أي نتائج إيجابية لمستخدميها على الإطلاق)... إنها لم تعد قادرة على تحقيق النتائج في وجه الدرونات الرخيصة والصواريخ الرخيصة... وإنّ عدم التناظر هذا، الذي انتقل من نظرية حرب العصابات، إلى استخدام فعلي على مستوى الدول (حرب أوكرانيا مثالاً أولاً، وحرب إيران ثانياً)، وضع مصيرَ كمٍّ هائل من الصناعات العسكرية الأمريكية على المحك، وعلى طاولة البحث... على سبيل المثال لا الحصر، ماذا عن مستقبل باتريوت وثاد وما يشابهها من منظومات دفاع جوي، إنْ هي باتت عاجزة أمام إغراق زهيد الثمن من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية؟
بالمحصلة، يمكن القول إنّ المجمع الصناعي العسكري يخسر وسيخسر أكثر، وربما الأصح أن نقول إن المُلَّاك الأساسيين للمجمَّع الصناعي العسكري، الذين يتقاطعون في رأس الهرم مع مُلَّاك البنك الفيدرالي الأمريكي ومُلَّاك شركات التكنولوجيا الكبرى (وليس المقصود إيلون ماسك وزوكربيرغ وإلخ... فهؤلاء هم بأحسن الأحوال واجهات، بحصّة، للمُلَّاك الحقيقيين)... هؤلاء المُلَّاك الأساسيون جميعهم يخسرون، وسيخسرون أكثر وأكثر، وهم مهدَّدون بإفلاسٍ شامل مع تراجع موقع الدولار وتراجع منظومة التبادل اللامتكافئ وتراجُع سطوة التجارة البحرية على البرية...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 0000