افتتاحية قاسيون 1262: فواتير الكهرباء الجديدة تُوحد السوريين
وصلت فواتير الكهرباء الجديدة إلى بيوت السوريين، فأشعلت ما تبقى من صبرٍ في نفوسهم. حيث تحولت الشكوى الصامتة إلى غضبٍ علني ضد منطق الجباية الجائرة من جيوب الناس الذين عبّر بعضهم صراحة: «ما رح ادفع!»، ومن دفع منهم فعل ذلك، وفي نفسه شعور هائل بالخذلان من حكومة كان يجب أن تنهي السياسات الاقتصادية لسلطة الأسد التي أفقرت السوريين وجوعتهم.
في ظل الارتفاع الهائل في تكاليف المعيشة، والانخفاض الكبير في القيمة الحقيقية للأجور، لا يمكن وصف أسعار الكهرباء الجديدة التي فرضت على السوريين إلا بأنها غير عادلة نهائياً، وتشكل صورة مكثفة عن انعدام منظومة العدالة الاجتماعية، فالكهرباء التي يجب أن تكون حقاً عاماً للسوريين، أصبحت عبئاً يلتهم الجزء الأكبر من الدخل الشهري، ويحرم آلاف الأسر السورية منها.
الأهم من ذلك، أن الكارثة لا تتوقف عند حدود المعيشة، فهذه التسعيرة المرتفعة للكهرباء تجعل من استعادة الإنتاج السوري حلماً مستحيلاً. فكيف يمكن لمصنع صغير، أو ورشة، أو مزرعة، أن تعيد التشغيل وسط أسعارٍ تضاعفت تكاليفها على نحو يمنعها من المنافسة حتى مع دول الجوار؟ إحدى النتائج الواضحة لهذه السياسة هي تعطيل عجلة الإنتاج، وما يتبعه من ارتفاع في نسب البطالة، وتوسيع عمليات الاستيراد التي تستنزف القطع الأجنبي، وتنسف ما تبقى من قدرة البلاد على إعادة التشغيل الاقتصادي.
رغم ذلك، لا يتوقف الخطاب الرسمي عن تكرار الحديث عن إعادة الإعمار، وكأن هذه الكلمات وحدها قادرة على إنعاش اقتصادٍ يختنق بفعل السياسات الاقتصادية ذاتها. إن إعادة الإعمار الحقيقية لا يمكن أن تبنى على فواتير تزيد من إفقار السوريين، وما يجري الآن ليس إعماراً... بل وهمٌ وقبضٌ للريح، تروجه النخب صاحبة المصلحة في الإبقاء على النظام الاقتصادي الظالم الموروث من حقبة الأسد.
ويبقى السؤال الجوهري قائماً: هل فكر من اتخذ هذا القرار جدّياً في انعكاساته على الوضع الكلي في البلاد: اقتصادياً- اجتماعياً، وسياسياً؟ هل درس ما يعنيه فرض أسعارٍ خيالية على شعبٍ فقد دخله ومدخراته؟ إن اتخاذ قرارٍ كهذا، قبل أي جهد حقيقي لرفع أجور السوريين- بحيث تكون قادرة على تغطية تكاليف معيشتهم- هو مغامرة تفتح الباب أمام مزيد من الانفجار الشعبي.
ومع كل ذلك، فإن هذه القضية وضعت أساساً جديداً لمعادلةٍ لم ينجح أحد في محوها، وهي وحدة المنهوبين ضد الناهبين: ملايين السوريين اليوم، بمختلف طوائفهم وقومياتهم ومناطقهم، يعانون من الفواتير ذاتها، في مواجهة فئة صغيرة من الحرامية الكبار القدماء والجدد الذين راكموا الثروات من عذابات الشعب السوري، ونهبوا موارده بحجج وذرائع متعددة. وقد أثبتت تجربة الكهرباء مجدداً، أن الصراع في سورية كان ولا يزال بين أقلية ناهبة وأكثرية منهوبة.
رغم رحيل سلطة الأسد، فإن مهمة بناء نظام سياسي جديد لم تنجز بعد. فما دامت السياسات القديمة باقية كما هي، وبالنهج نفسه، فإن الشعب السوري سيظل يدفع الثمن إلى أن يجد طريقه إلى بناء هذا النظام السياسي الجديد، عبر وحدة المنهوبين ضد الناهبين، والوصول إلى دولةٍ تخدم شعبها، لا جيوب ناهبيها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262