كيف نُعيد توحيد البلاد؟

كيف نُعيد توحيد البلاد؟

يرى البعض، أن ما جرى خلال الأسبوعين الأخيرين، في حلب ومن ثم غرب وشرق الفرات، هو خطوة باتجاه استعادة الوحدة السياسية الجغرافية لسورية. وهذا الكلام يعكس جزءاً من الواقع، ولكنه لا يعبر عنه تعبيراً دقيقاً، ولا يمكنه أن يتحول إلى نقطة انطلاق صحيحة لكيفية استعادة وحدة سورية بشكل حقيقي ومستدام، وعلينا أن نضع خطوطاً عديدة تحت كلمتي حقيقي ومستدام...

التوحيد بالقسر


التجربة المرة خلال حقبة الأسد، ما تزال حاضرة في أذهان السوريين. عام 2013، انحسرت السيطرة العسكرية المباشرة لسلطة الأسد، بحيث بقي تحت قبضته بين 30 إلى 40% فقط من مساحة سورية، ويقدر البعض أن النسبة انخفضت في بعض المراحل إلى ما دون 30% من مساحة سورية. وقبل سقوطه بأيام، كان يسيطر على ما يزيد عن 65 إلى 70% من مساحة سورية، ووصلت في بعض الأحيان إلى ما يزيد عن 75%.
هذه التجربة نفسها، التي بُنيت على القسر والإجبار، واستخدام الأدوات الأمنية والعسكرية، أثبتت أن السيطرة بالقسر هي بالضرورة سيطرة غير مستدامة، وقابلة للتلاشي والانهيار بمجرد توفر ظروف مناسبة لذلك.
المسألة الثانية التي أثبتتها التجربة، هي أن حجم التدخلات الخارجية في سورية، وخاصة التدخلات الخارجية التخريبية، وعلى رأسها «الإسرائيلية»/الأمريكية، هو حجم كبير، ومبني على الاستثمار بالتناقضات الداخلية بين الأطراف السورية نفسها، ودفع هذه التناقضات بشكل دائم باتجاه الانفجار، وبما يخدم المصلحة الأمريكية/«الإسرائيلية».
وبكلمة، فإن التوحيد بالقسر والإجبار، هو توحيد غير مستدام، وهو توحيد مفخخ وقابل للانفجار في أي لحظة، بل وقابل للانفجار سريعاً في ظل المساعي «الإسرائيلية» المعلنة والواضحة باتجاه التفجير، وباتجاه الاستثمار في التناقضات الداخلية غير المحلولة.


التوحيد بالتراضي


بمقابل الشكل السابق من التوحيد، وهو كما أسلفنا شكل هشٌ وغير مستدام، وقابل للتفجير والذهاب بالبلاد إلى أوضاع أسوأ حتى مما كانت عليه قبل «التوحيد القسري»، يوجد شكل آخر مستدام هو التوحيد بالتراضي، أي على أساس إنصاف الناس وإعطائها حقوقها، وتجميع كلمتها بناء على المصالح المشتركة فيما بينها، وضمناً مصالحها الاقتصادية الاجتماعية والديمقراطية والوطنية.
التوحيد بالتراضي، لا يمكن أن يقوم على أساس عقلية الغلبة، وعقلية القسر والإجبار والتهديد بالقوة، بل انطلاقاً من حوار حقيقي وأخوي بين أبناء البلد الواحد، وعلى أساس شراكة حقيقية في تقرير مصير الشعب والبلاد، وفي كل المجالات، ابتداء من شكل النظام السياسي المطلوب، ووصولاً إلى النموذج الاقتصادي وطريقة توزيع الثروة، وطريقة بناء الهوية الوطنية والثقافية المشتركة لأبناء البلد الواحد.


الترجمة العملية


بين شكلي التوحيد المطروحين، هنالك شكل يؤمن وحدة مؤقتة هشة، وينذر بشكل مؤكد بتفجير لاحق لهذه الوحدة نفسها، وبدرجات أشد عمقاً وخطراً من حالة ما قبل التوحيد، أي من حالة تقسيم الأمر الواقع المؤقت. وهنالك شكل يؤمن وحدة حقيقية قوية ومستدامة، تبنى على الحوار والتفاهم بين أبناء البلد كلهم.
الطريق العملي الوحيد للوصول إلى وحدة بالتراضي، وإلى استقرار حقيقي في البلاد، هو المؤتمر الوطني العام الشامل والجامع وكامل الصلاحيات، الذي يضم كل القوى السياسية والاجتماعية والمناطقية السورية، ويضع على طاولته كل القضايا الإشكالية من أجل التوافق عليها والخروج بحلول تشاركية، وصولاً لتشكيل جسم حكم انتقالي جامع، وصياغة دستور جديد وانتهاء بانتخابات على مختلف المستويات، تكون أداة السوريين في تقرير مصيرهم بأنفسهم.
ينبغي على كل الأطراف السورية، ألا يأخذها الغرور، وألا تأخذها العزة بالنفس، نتيجة لتقدم هنا أو تقدم هناك، ما دام هذا التقدم جزءاً من رسمات دولية خارجية، وخاصة أمريكية... بل عليها أن تتعامل بعقل وحكمة، منطلقة من أن الأمريكي مستعد للتعامل معها كأداة كما تعامل مع غيرها، إنْ هي وضعت نفسها هذا الموضع، وتكون قد حكمت على نفسها في حينه بانتصارات مؤقتة وهزيمة دائمة، حتى بالمعنى الضيق لكلمات انتصار وهزيمة.
في الوقت نفسه، ينبغي على الأطراف السورية كلها، أن تنسخ من قاموسها فكرة انتصار طرف سوري على طرف سوري آخر؛ فالمخرج كان وما يزال واحداً لا بديل له، هو إما أن ينتصر الشعب السوري بأغلبيته الساحقة المنهوبة المنتمية لكل القوميات والطوائف والأديان، (أي أكثر من 90% من السوريين)، أو أن يهزم كله وتهزم معه سورية، والوحدة السورية مرة وإلى الأبد...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1262