«اللحاف» الأمريكي لم يُغطِّ قسد ولن يغطيَ غيرها!
تتكرر هذه الأيام، وبشكل كبير، المقولة الصحيحة التي تكاد ترتقي إلى مستوى القانون الموضوعي، والقائلة: إن «المتغطي بالأمريكي عريان». والمناسبة هي ما سماه البعض «تخلياً أمريكياً» عن قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وما سماه آخرون «بيعاً أمريكياً لقسد»، وحتى «خيانة أمريكية لقسد».
ورغم بلاغة العبارة آنفة الذكر وصحتها، إلا أن ما هو أكثر بلاغة وتعبيراً وصحة منها، هو القول المنسوب إلى ثعلب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر: «أن تكون عدواً لأمريكا فذلك أمرٌ خطير، ولكن أن تكون صديقاً لها فهو أمرٌ قاتل».
وإذا كان طرف سياسي- عسكري هو (قسد)، قد تعلم هذا الدرس بالطريقة الصعبة، مع أن فرصاً سابقة عديدة كانت تسمح بتعلمه من «كيس الآخرين» ومن «كيسه» هو نفسه، عبر السنوات الماضية، إلا أن ذلك لا يعني بحال من الأحوال، أن هذه «الدروس والعبر» تخص قسد وحدها، ولا تخص الآخرين، بما في ذلك السلطة السورية الجديدة في دمشق... الدروس المستفادة ينبغي أن تكون عامة لكل السوريين، بل ولأي طرف أو دولة في أي بقعة من بقاع العالم، ما يزال يحمل شيئاً من وهم تجاه الأمريكي وإمكانية التحالف معه أو الوثوق به.
وإذا كانت قسد اليوم في مرحلة استخلاص الدروس والعبر، وهو أمر صحي وطبيعي لكل جهة تريد وتستطيع أن تستمر في لعب دور في الحياة السياسية، فإن استخلاص العبر ينبغي أن يشمل الجميع، بمن فيهم الأطراف السياسية الأخرى في سورية، سواء منهم الحكومة السورية، أو الأطراف الأخرى التي تحاول لعب أدوار وطنية عامة، أو مناطقية، غرباً وجنوباً...
تنظيم ودولة!
يحاول البعض «اختصار» الدروس المستفادة وتحويرها عبر تمييزٍ يبدو صحيحاً نظرياً، بين تعامل واشنطن مع التنظيمات والمجموعات من جهة، وبين تعاملها مع الدول والحكومات من جهة أخرى؛ أي أنهم يريدون القول: تم استخدام قسد ومن ثم التخلي عنها، لأنها تنظيم، مجموعة، وليست جهاز دولة أو جهة رسمية حكومية، وبالتالي، فإن ما يجري الترويج له من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي اليوم «على وفاق» مع الحكومة السورية والسلطة السورية الجديدة، وتمدحها وتدعمها، هو أمر مختلف تماماً... أي: لا تخافوا، لن يغدر بنا الأمريكان، فنحن الدولة، ولسنا مجرد تنظيم!
لهؤلاء، ينبغي التذكير بأربعة أمور واضحة وضوح الشمس:
أولاً: الولايات المتحدة لا ترى في سورية نفسها دولة، بل ولا ترى في الإقليم بأسره إلا «مجموعة من القبائل والعشائر والمعتقدات» على حد توصيف توماس براك الذي يراه البعض اليوم «حليفاً للدولة السورية» ...
ثانياً: لكي تعرفوا كيف تتعامل الولايات المتحدة مع الدول والحكومات، بما في ذلك الحكومات المنتخبة في دول «ديمقراطية»، انظروا إلى طريقة تعاملها مع دول أوروبا اليوم... هل توقفت الولايات المتحدة الأمريكية عن إيذاء الدول الأوروبية تجارياً واقتصادياً وسياسياً خلال الأعوام الأربعة الماضية، منذ بدء حرب أوكرانيا وحتى اليوم، لأنها «دول» وليست «تنظيمات»؟
ثالثاً: من المثال الأوروبي أيضاً، يمكن الانتباه إلى أن واشنطن مستعدة للبطش بالدول وليس فقط بالتنظيمات، ومستعدة للبطش بدول هي حليفة تاريخية لها، والحلف قائم على معاهدات واضحة وموقعة وموثقة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وليس على مدائح شكلية إعلامية...
رابعاً: في منطقتنا خاصة، ينبغي ألا يغيب عن بال أحد، أن الحليف الوحيد للولايات المتحدة هو «إسرائيل» الصهيونية، وأن مصالح «إسرائيل» بالنسبة لها، مقدمة على مصلحة أي دولة أو تنظيم في المنطقة، وأنها في الحالة السورية، وفي المفاضلة بين أي حكومة، أو سلطة، أو تنظيم داخل سورية، وبين المصلحة «الإسرائيلية»، ستقف حكماً مع المصلحة «الإسرائيلية»... وهنا يبرز السؤال ذو الجواب الواضح: هل يمكن أن تتقاطع مصلحتنا الوطنية مع مصلحة «إسرائيل» بأي حال من الأحوال؟ وبأي مجالٍ من المجالات؟ والجواب هو قطعاً: لا. بل وينبغي أن يصاغ السؤال بشكل أكثر قرباً من الواقع، وكالتالي: أليس من مصلحة «إسرائيل» المباشرة، إدماء سورية ونشر الفوضى فيها وتدميرها وتفتيتها؟ والجواب القاطع الواضح هو: نعم...
المحصلة
الدرس الذي تعلمته قسد بالطريقة القاسية، ينبغي لنا كسوريين أن نتعلمه منها، ومن قراءة التاريخ قراءةً صحيحة: الأمريكي لا يمكن أن يكون حليفاً لسورية في أي يوم من الأيام، لا كدولة، ولا كسلطة، ولا كتنظيمات منفردة...
وعليه، حين يمدحك الأمريكان لقيامك بخطوة ما، عليك أن تُعيد الحساب ألف مرة، لأنك على الأغلب قد خطوت نحو منزلقٍ ضد مصالحك، وضد مصالح البلاد، وحين يشجعونك على القيام بخطوة، عليك أن تحسب مليون مرة، لأن الخطوة التي يشجعونك لأخذها هي غالباً خطوة في فراغ تحته هاوية سحيقة.
وربما الدرس الأكثر أهمية الذي ينبغي أن نستخلصه كسوريين، بغض النظر عن اصطفافنا وآرائنا السياسية، هو: أن أي استعانة بالخارج، أو اتكاء على الخارج، ضد الداخل، سيضعف كل الأطراف السورية على الإطلاق، وإنْ كان سيقوي مؤقتاً من يعتمد على أمريكا، فإنه يعده بسقوط حُرٍّ وكاملٍ بعد حين...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262