افتتاحية قاسيون 1137: سلطة الشعب في المناطق كيف ومتى؟

افتتاحية قاسيون 1137: سلطة الشعب في المناطق كيف ومتى؟

ما تزال الموجة الجديدة من الحركة الشعبية في سورية في بداياتها الأولى، وما تزال الاحتمالات مفتوحة أمامها؛ الإيجابي منها والسلبي. وهذا من طبيعة الأمور، فالمتشددون في كل من النظام والمعارضة لا يخدمهم بحالٍ من الأحوال أن تتطور الحركة بشكل سلمي وبشعارات محقة عقلانية تجمع المنهوبين الذين يشكلون 90%. ولا يخدمهم أن تتخلص الحركة من عمليات نسخ ولصق الأشكال والشعارات العائدة إلى 2011 لذا يشجعون الحفاظ على تلك الشعارات والأشكال ويسلطون الضوء عليها.

كذلك الأمر، فإنّ الأعداء التاريخيين لسورية وللشعب السوري وعلى رأسهم الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وكذا بريطانيا وفرنسا، هم أيضاً لا يخدمهم تطورٌ سلمي ووطني للحركة الشعبية.

ولذا ليس من المستغرب أن تبذل هذه الأطراف جهودها في قسم الناس وضربها ببعضها البعض، في محاولة لتكرار السيناريو السابق نفسه، بل ومع تطويرات ربما تكون أشد خطورة.

من الجيد، أنّ الظروف الدولية والإقليمية والمحلية أكثر مناسبة مما كانت عليه في 2011؛ بما في ذلك التراجع الغربي العام، وضمناً الصهيوني، وأيضاً تراجع قدرة المتشددين من الأطراف المختلفة على تجييش الناس وتحريضها، إضافة إلى أنّ درجة الوعي العام لدى المنهوبين أعلى مما كانت عليه في 2011.

أحد ملامح ارتفاع درجة الوعي العام ما نراه من رفعٍ لشعار الحل السياسي، والمطالبة بتنفيذ القرار 2254. وأيضاً فإنّ بين الملامح المهمة التي ظهرت في محافظة السويداء خصوصاً، الرفض الشعبي والسياسي الواسع والقاطع لشعارات «الإدارة الذاتية»، والتي ترفعها هناك فئة محدودة ومعزولة ومعروفة... ولذا يحاول أصحاب هذا المشروع الالتفاف على الرفض الشعبي عبر محاولة تمرير الفكرة نفسها بأشكال مُقنَّعة، عبر حديث عن معبر مع الأردن ولجان عسكرية وما شابه...



إنّ تحقيق سلطة الشعب في المناطق لا يمكن أن يتم بأي حال من الأحوال دون تحقيق سلطة الشعب في المركز أيضاً، في الوقت نفسه وعلى التوازي؛ فكي تتمكن الناس من إدارة شؤونها في المناطق ومراقبة أجهزة الدولة بشكل فاعل، ينبغي أن يتحقق توزيع متناسب وعادل على مستوى البلاد بأسرها للموارد والثروات والصلاحيات؛ والتجربة تقول: إنه ليست هنالك أيّ منطقة في سورية قادرة على العيش منفردة، بل إنّ الحالات التي حاولت الظهور بمظهر مختلف في بداياتها، تمضي مع الوقت باتجاه استنساخ نموذج مركزة الثروة والسلطة والفساد ضمن مناطقها.

إنّ الصيغة الجديدة المطلوبة للعلاقة بين المركزية واللامركزية في سورية الجديدة، يجب أن تحقق في آنٍ معاً مركزاً قوياً وأطرافاً قوية، وعدا ذلك سيكون المركز هشاً والأطراف أكثر هشاشة، وستتحول الدعاوى الفارغة التي تطلقها بعض الجهات حول ضرورة «إدارة الأمور مؤقتاً ريثما يأتي الحل» إلى أداة في منع الحل وفي فتح طريق التقسيم.

بناء نظام جديد في سورية موحدة شعباً وأرضاً لا يمكن أن يتم بـ«التقسيط»، بل يجب أن يتم بالجملة؛ أي عبر حل سياسي شامل يضم كل سورية، وكل السوريين على أساس القرار 2254. وضمن عملية البناء هذه، وعلى أسس دستورية جديدة، يتم ترسيخ سلطة الشعب في المناطق والمركز، بحيث تكون بيد المركز صلاحيات الدفاع والأمن والخارجية والسياسة النقدية والمالية والتنمية الشاملة، وتكون بيد المناطق صلاحيات الرقابة على أجهزة الدولة لديها ومحاسبتها، وصلاحيات اقتصادية وتنموية، وصلاحيات إدارية تتضمن فيما تتضمن انتخاب المحافظ، وكذا صلاحيات ثقافية.

إنّ محاولات وضع العربة أمام الحصان، أي استباق الحل الشامل بـ«حلول مناطقية»، لن يؤدي إلى أية حلول، لا مناطقية ولا شاملة، وسيعيق الحل الشامل ويؤخره، وسيخدم أولئك الذين يشكل التقسيم بالنسبة لهم مخرجاً، سواء من أعداء الخارج أو أعداء الداخل. ولذا فإنّ التمسك بالحل السياسي الشامل عبر 2254، وحماية الحركة الشعبية وانتقادها من داخلها بشكل مستمرٍ وواعٍ، ومساعدتها على تنظيم نفسها بشكل سلمي ووطني، هو الباب الأساس لإخراج سورية من كارثتها ولاستعادة وحدتها، وإخراج القوات الأجنبية منها.

(English version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1137
آخر تعديل على الأحد, 27 آب/أغسطس 2023 20:06