أمريكا صديقة وعدوة... والحل السوري!

أمريكا صديقة وعدوة... والحل السوري!

ربما لم تمرّ فترة ضمن التاريخ المعاصر، كان فيها قول كيسنجر الشهير، أكثر صحةً، مما هو الأمر في أيامنا هذه؛ نقصد قوله: «أنْ تكون عدواً لأمريكا فذلك قد يكون أمراً خطراً. أما أنْ تكون صديقاً له، فذلك أمرٌ قاتل»!

ولندع جانباً البعد «الأدبي» للمقولة، ولننظر في النموذجين الواضحين، أو الخيارين الواضحين، اللذين تقدمهما أمريكا لكل دول العالم، بل وحتى لكل القوى السياسية حول العالم؛ صديق أو عدو، ولننظر في معنى أن تكون صديقاً، وفي معنى أن تكون عدواً.

أصدقاء أمريكا

إذا أرادت دولة من الدول أن تكون صديقة لأمريكا، فهذا يعني أنّ هنالك مجموعة من الشروط التي عليها تحقيقها لكي «ترتقي» إلى المستوى المطلوب أمريكاً. وهذه الشروط تختلف بطبيعة الحال وفقاً لوزن الدولة المعنية وتموضعها الجغرافي وثرواتها وإلخ.
ولكن على العموم، فإنّ الدولة لتكون صديقة لأمريكا، فهذا يعني أنّ عليها أن تتخذ المواقف السياسية ذاتها من كل المسائل الكبرى في العالم. سواء كان الأمر متعلقاً بصراعٍ سياسي أو عسكري أو اقتصادي جارٍ، أو حتى إذا ما تعلق الأمر بمجموعة من «الأفكار» و«القيم»، التي ينبغي لأصدقاء أمريكا أن يمتثلوا لها.
بالملموس أكثر، أنْ تكون صديقاً لأمريكا، فذلك يعني أنّ اقتصادك ينبغي أن يكون مدولراً، وينبغي أن تعمل مؤسسات دولتك بوصفها فرعاً من المؤسسات الدولية، بشكل مباشر أو غير مباشر عبر الامتثال للقوانين والشروط الموضوعة. يشمل ذلك وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، حول رفع الدعم عن المواد الأساسية، وتخفيض أجور العمال، وتخفيض الإنفاق الاجتماعي، وفي كثير من الأحيان رفع سن التقاعد، وطبعاً، الاحتفاظ بالدولار على وجه الخصوص بوصفه العملة «الصعبة» التي يتحدد سعر صرف عملتك على أساس المقدار الذي تمتلكه منه، وإعطاء الحرية الكاملة لرؤوس الأموال الخارجية وللأموال الساخنة خصوصاً، للدخول والخروج متى شاءت، بل والسماح لها بتعديات إضافية على حقوق العمال، حيث يتحول اعتداء الدولة نفسها على حقوق عمالها إلى عتبةٍ من الضروري تحقيقها ليس لمنع تجاوزها، بل لتسهيل تجاوزها من قبل الشركات الخاصة. هذه الشروط بمجموعها، هي شروط تفجير داخلي حتمي، وإنْ بعد حين؛ وهي بالجوهر شروط لعملية نهبٍ منظمة وطويلة الأمد لثروات البلاد ولإنتاجها ولعقولها وحتى لثقافتها.
أي أنّ صداقة أمريكا، تعني بالملموس أن تكون تابعاً مُستعمَراً ومنهوباً ومهدداً دائماً بالانفجار من الداخل... ماذا عن عداوتها؟

أعداء أمريكا

الأوصاف التي من نمط الأنظمة «الديكتاتورية» و«الشمولية» وإلخ، ليست سوى شمّاعة يجري تبرير العداوة بها أمام الإعلام؛ فروسيا نفسها التي تمثل اليوم محور الشر، كانت صديقة لأمريكا في التسعينات، حين كانت محكومة من المافيات، وكان القتل فيها يجري في الشوارع على أساس يومي. دول الخليج العربي وخاصة السعودية، كانت لفترة طويلة صديقة لأمريكا بغض النظر عن أنّ ليس فيها دستوراً من الأساس، وأنها مملكة، وليس فيها بالمعنى القانوني أي مكان للحديث عن الديمقراطية، على الأقل بمعناها الغربي. رغم ذلك، فإنّها كانت أحد أصدقاء أمريكا عبر عقودٍ طويلة، ابتداءً من لقاء الجزر المالحة عقب الحرب العالمية الثانية. هذه الدولة نفسها، والتي لم يتغير فيها شيء جذري بما يخص الحريات السياسية، ولكن بدأ تموضعها الدولي بالتغيّر، وتحولت في يومٍ وليلة إلى رمزٍ من رموز الديكتاتورية. كذلك الأمر مع إيران؛ فأيام الشاهنشاهية، المتحالفة مع الغرب ومع «إسرائيل»، كانت العلاقات مع أمريكا من أحسن ما يكون، رغم أنّ الشاه كان رمزاً مطلقاً نظرياً وعملياً لدكتاتورية متوحشة... تغيّر تموضع إيران بعد ثورة 79 وبالتالي تغير موقعها بالنسبة لأمريكا. يمكن أن نسرد عشرات الأمثلة الأخرى، ولكن نكتفي بما أوردناه إضافة إلى إشارة عابرة إلى أمريكا اللاتينية، التي تقدم النموذج الأكثر وضوحاً عن وقاحة الأمريكان في تنظيم الانقلابات العسكرية ضد رؤساء منتخبين، انتخابات يقوم بها جنرالات مدعومون أمريكياً، سرعان ما يُغرقون بلادهم بالدماء، ويملؤون سجونها حتى نهايتها بالمعتقلين السياسيين... وهذا تكرر في أكثر من 10 دول في أمريكا اللاتينية خلال السبعين عاماً الماضية.

ماذا تدفع في الصداقة وفي العداوة؟

في حال كنت صديقاً فعليك أن تمتثل للنموذج الاقتصادي الاجتماعي والثقافي الذي تفرضه الولايات المتحدة، وعليك أن تمتثل سياسياً للإرادة الدولية لأمريكا (المثال الأوروبي اليوم أكثر من واضح: فهذه الدول العريقة التي بدت مستقلة وحاولت تمثيل الاستقلال، ظهر أنها في حقيقة الأمر ما تزال مستعمرة ابتداءً من بريتين وودز 1944 ومن مشروع مارشال، واللذَين أحكما السيطرة الكاملة للنخبة الأمريكية، الأنغلوساكسونية خاصة على أوروبا الغربية، وحولتها إلى مجرد تابعٍ وساحةٍ خلفية لها... هذا واضح الآن من السياسات التي يتخذها القادة الأوربيون والتي تصب كلها ضد مصالح دولهم وشعوبهم، وفي مصلحة النخبة الأمريكية).
في حال كنت عدواً، فإنّ أمريكا ستفرض عليك عقوباتٍ وحصاراً اقتصادياً، وربما حرباً إنْ توافرت الظروف لذلك... وما الهدف؟ أن تصبح صديقاً لها؛ أي أنْ تمتثل للشروط التي ستقودك نحو الدمار والخراب والتفجيرات الداخلية.
على هذا الأساس فإنّ أحد أهم الثوريين السوريين في القرن العشرين، كان محقاً تماماً حين قال: إنّ «إغضاب المستعمر هو دائماً أقل كلفة من إرضائه».
وإذا كان هذا صحيحاً على العموم، فإنّه أكثر صحة اليوم في ظرف الأزمة العميقة للولايات المتحدة، ولدولارها المتضخم آلاف المرات عن الحجم الذي يتطلبه السوق، وعن حجم إسهام الولايات المتحدة في إنتاج الثروة العالمية. ولذا فإنّ الولايات المتحدة ليس لديها ما تقدمه إطلاقاً، لأي صديق أو عدو، سوى مزيد من النهب والخراب.
الجديد بالمعنى التاريخي، مقارنة ربما بالخمسين عاماً الماضية، أنّ إغضاب المستعمر في ظل التوازن الدولي الجديد، ليس فقط أقل كلفة من إرضائه، بل هو وسيلة للوصول إلى وضعٍ رابحٍ بالمحصلة. وضعٍ يتم التخلص فيه بشكل فعلي ليس من الترهيب العسكري والسياسي والأمريكي، بل وأيضاً من الترهيب الاقتصادي؛ اليوم يمكن للشعوب والدول التي تمتلك إرادة وطنية مستقلة أنْ تخرج من عباءة الأمريكان واستعمارها الجديد، ويمكنها أن تمارس دوراً فاعلاً في خلق العالم الجديد القائم على التبادل المتكافئ.
بما يخصنا في سورية، فإنّ هذا يعني بالملموس، أنّ أية محاولة للبحث عن حلٍ باشتراك الأمريكان أو برضاهم، تكاد تكون ضرباً من الحماقة؛ الأمريكان لا يريدون حلاً، وسيعملون جهدهم لمنع أي حل في سورية، ولن ينجو من يستند إليهم ومن يثق بهم، فمن يثق بهم على الخصوص سيجعل من نفسه موضوعاً لمقولة كيسنجر التي بدأنا كلامنا بها...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1106