ما هو موقف إيران من التسوية السورية- التركية؟

ما هو موقف إيران من التسوية السورية- التركية؟

بمجرد أنْ تمّ الإعلان عن اللقاء الثلاثي لوزراء دفاع سورية وتركيا وروسيا في موسكو يوم 28 كانون الأول الماضي، أي قبل أقلّ من شهر، بدأ إغراق وسائل الإعلام بكمٍّ هائل من التحليلات والتوقعات.

أحد الموضوعات التي تحظى باهتمامٍ كبيرٍ في سياق الحديث عن تسوية سورية- تركية، هي الموقف الإيراني من هذه التسوية. على العموم، يتجه الإعلام الغربي، وكذا الإعلام العربي الخاضع للسيطرة الغربية أو الدائر في فلكها، إلى تقديم المقولة التالية: «جرى استغفال إيران واستبعادها من عملية التسوية، وهي منزعجةٌ وربما ستعمل على عرقلتها، ما لم تضمن لنفسها مكاناً أساسياً فيها، وما لم تضمن طبيعة النتائج المتوخاة».
وإلى أيّ شيءٍ يستند أصحاب هذه المقولة؟ يستندون إلى أنّ اللقاء الثلاثي قد جرى في موسكو، ولم يحضره وزير الدفاع الإيراني. وإلى «تسريبات» منسوبة لمصادر مجهولة دائماً، وخاصة ذلك النوع من المصادر الذي يستخدمه صحفيون معروفون من النمط الأصفر.
ما يثير الاستغراب حقاً، بل وربما يثير الدهشة، هو مدى استخفاف هؤلاء بعقول الناس، ومدى اعتمادهم أسلوب الكذب الفاحش العلني، ليس عبر اختراع الأكاذيب فقط، بل وأيضاً عبر محاولة تجاهل الوقائع المعلنة والمعروفة.

وقائع

ينسب البعض فكرة التسوية السورية- التركية إلى قمة طهران لثلاثي أستانا التي عُقدت يوم 19 تموز الماضي. وهذا صحيح من حيث المبدأ، ولكنه ليس دقيقاً؛ إذ إنّ الفكرة أقدم من هذه القمة بسنوات، على الأقل على اللسان الرسمي الروسي. ولكن أيضاً ينبغي التذكير بما يلي:
أولاً: وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، وخلال زيارة له إلى دمشق قبل قمة طهران بحوالي الأسبوعين، مطلع تموز، وفي إطار التحضير للقمة، صرّح بالتالي: «إنّ إيران تتفهم المخاوف التركية، ولكنها تعارض أي عمل عسكري في سورية»، وأضاف: «نحاول حلّ سوء الفهم بين سورية وتركيا عبر الطرق الدبلوماسية والحوار». وكان المحرر السياسي لقاسيون قد توقف عند هذا التصريح في حينه، وتوقع أنّ السير في عملية التسوية السورية التركية قد بات أمراً متوافقاً عليه بين ثلاثي أستانا، وأن الخطوات العملية لن تتأخر حتى تظهر على مسرح الوقائع... وهو ما جرى فعلاً.
ثانياً: يوم 13 من الجاري، وخلال زيارته للبنان، صرح عبد اللهيان بالتالي: «نحن سعداء بالحوار الجاري بين سورية وتركيا، ونعتقد أنه سينعكس إيجاباً على البلدين».
ثالثاً: يوم 14 من الجاري، خلال مؤتمره الصحفي المشترك مع وزير الخارجية السوري في دمشق، أعرب عبد اللهيان عن «سعادة إيران بنجاح اتصالاتها بسورية وتركيا في ترجيح الحوار بين البلدين»، وهو تصريحٌ واضح الدلالة؛ إذ لا يقول فقط بتأييد هذا المسار، بل بأنّ إيران جزء أساسي مؤسس فيه. وهو بهذا المعنى استمرار لتصريحه في تموز حول «حل سوء الفهم» الذي أشرنا إليه أعلاه.
رابعاً: يوم 17 من الجاري، وخلال مؤتمر صحفي مع نظيره التركي، صرّح بأنّ «إيران ممتنة لوصول العلاقات التركية السورية إلى التقارب».

رغم كل هذه التصريحات، إلا أنّ الإعلام الغربي (وضمناً ما يتبع له من إعلام عربي)، مصرٌ على تكرار الموشح نفسه، حول «انزعاج» إيران من التسوية، وحول «استبعاد» إيران منها... وإذا كان أصحاب الفرضية التي تقول بأنّ إيران هي جزء أساسي من التحضير لهذه التسوية، بل ومن السير فيها خطوة وراء خطوة، بما في ذلك بالمساعدة بتبريد الرؤوس الحامية للمتشددين الذين يبذلون قصارى جهدهم لعرقلة التسوية، إذا كان أصحاب هذه الفرضية لديهم ما يستندون إليه، على الأقل من التصريحات العلنية، ومن الدلائل المنطقية لتوقيتات هذه التصريحات، فإنّ القائلين بأنّ إيران منزعجة من التسوية ليست لديهم أية أدلة من أي نوع، سوى الاستناد إلى مقولات محددة كررها الإعلام الغربي، حتى بدت كأنها حقائق أو مسلمات.
ولكن، فلندع جانباً الآراء القطعية المتطرفة بأي من الاتجاهين، فاعتقادنا أنها جميعها خاطئة. ولا شك أنّ لكلٍ من إيران، وتركيا، وروسيا، نظرتها الخاصة وفهمها الخاص لمصالحها، والتي تتقاطع أو لا تتقاطع مع الآخرين.
الواضح في مسألة التسوية السورية التركية، وليس استناداً إلى التصريحات فقط، أنّ هنالك مصلحة مشتركة كبرى بين الأطراف الثلاثة، حتى وإنْ وجدت اختلافات جزئية هنا أو هناك؛ المصلحة المشتركة الكبرى تتمثل بالنقاط الأساسية التالية:
التسوية السورية التركية، وسيلة لشل العقوبات الأمريكية والغربية، ولشل الحصار الغربي. وهذا سينعكس إيجاباً على سورية نفسها والشعب السوري، ولكن أيضاً على كل من إيران وتركيا وروسيا، عبر وضع الأساس المادي لاكتمال الوصل القاري للحزام والطريق وللأوراسي...
التسوية السورية التركية، تعني إضعاف الوزن الأمريكي في سورية، وفي المنطقة عموماً (وهذا ما باتت تعترف به مراكز الأبحاث الأمريكية علناً)، وتعني وضع لبنة أولى أساسية في طرد الأمريكي خارج المنطقة، والتخلص من ابتزازه وتخريبه واستنزافه. وهذا يصب في مصلحة كل هذه الأطراف، بل ويصب أيضاً في مصلحة دول عربية أساسية، تفهم ذلك وتتعامل معه بإيجابية، وإنْ دون إعلانات صريحة.
التسوية السورية التركية، وإذ ستنهي مع الوقت، ومع سير الحل السياسي بالتوازي معها، حالة تقسيم الأمر الواقع، ستقلص من قدرة الكيان الصهيوني على الاعتداء على سورية بشكل كبير... وربما أكثر أهمية من ذلك، أنّ الوصول إلى حل الأزمة في سورية بالاستناد إلى تسوية مع تركيا، أي عن غير الطريق الغربي الذي يقدّم التطبيع مع «إسرائيل» بوصفه «المخرج الوحيد»، وهو في الحقيقة ليس مخرجاً إطلاقاً، بل مدخلاً نحو جحيم أطول وأكبر... نقول: إنّ الوصول إلى تسوية دون التطبيع مع الكيان، يعني أنّ حصة الكيان من الحل ستكون أقرب إلى الصفر، وأنّ الوزن الافتراضي الذي يحوزه الكيان اليوم عبر اعتداءاته المتكررة سيتمخض عن لا شيء، وسيعيد ذلك هذه «الدولة» الإقليمية، إلى وزنٍ أصغر بكثير من الفقاعة التي هي عليها الآن، وخاصة مما بعد اتفاقات أبراهام... وإذا تركنا جانباً كل الجوانب الأيديولوجية والفكرية، فإنّ التنافس الإقليمي سواء من وجهة النظر الإيرانية أو التركية أو المصرية أو السعودية، يرى في تنفيس فقاعة الكيان أمراً مفيداً كل الإفادة وضرورياً كل الضرورة...

لماذا؟

فلنحاول الإجابة إذاً عن السؤال التالي: «لماذا يصر الإعلام على القول: إنّ إيران منزعجة؟»
ربما الأمر متعلق بأحد العوامل التالية أو باجتماعها:
أولاً: الإيحاء المستمر برفض إيران للتسوية مع تركيا، يمنح المتشددين ضمن النظام على وجه الخصوص هوامش للعب أمام القاعدة الجماهيرية اللصيقة؛ فإذا كان من المفهوم أنّ هذه القاعدة ليست طربة للتقارب مع تركيا، إلا أنها تأمل من خلاله بتحسن الأوضاع المزرية وبانتهاء الكارثة. ولكن إذا جرى تقديم إيحاءات بأنّ إيران ضدها، فربما يشجع ذلك أجزاءً من هذه القاعدة على رفض التسوية، لكي يتم استخدام رفضهم في التوازنات الداخلية، وكذلك في ممانعة جهود الدفع باتجاه التسوية التي تبذلها أستانا.
ثانياً: هذه قَطعاً ليست المحاولة الأولى للقول: إنّ روسيا وتركيا في جانب وإيران في جانب آخر مناقض ضمن ثلاثي أستانا. وذلك رغم أنّ الوقائع أثبتت كل مرة أنّ الأمر ليس كذلك، وأنه هنالك ولا شك اختلافات، ولكن هنالك أيضاً تفاهمات، وأهم من ذلك هنالك القدرة على الوصول إلى تفاهمات ورفع مستواها بشكل مستمر (والفضل الأساسي في ذلك ربما يعود لحماقة الأمريكي وعنجهيته، وعمق أزمته التي لا تسمح له بتقديم شيء لأحد). تصوير الأمر على أنّ أستانا نفسها منقسمة بين معسكرين، لا شك مفيدٌ بالنسبة للغرب. ولكن ربما هنالك ما هو أبعد من ذلك، وهو حلمٌ صهيوني على وجه الخصوص، بأن يتم بطريقة ما تحويل سكة التقارب السوري التركي، بحيث تتحول إلى مشروعٍ يرعاه الغرب، وبطبيعة الحال سيكون مشروعاً ذا اتجاه مختلف تماماً في تلك الحالة. الأكيد: أنّ أحلام الصهيوني ستضيق مع الوقت، وربما لن تتجاوز بعد زمن جداره العنصري...
هذه الأسباب التي أوردناها، قد لا تكون وافية لفهم المسألة، ولكنها فيما نعتقد جزء مهم في فهمها...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1106
آخر تعديل على الإثنين, 23 كانون2/يناير 2023 09:08