الحركة السياسية، والامتحان الأخير!

الحركة السياسية، والامتحان الأخير!

مرت الحياة السياسية السورية خلال العقود الماضية بحالة عطالة سياسية مزمنة، تجلت في ضعف فاعلية القوى والأحزاب، وعجزها عن أداء الدور المطلوب منها، وإذا كان مستوى الحريات السياسية سبباً لذلك، إلا أنه لم يكن السبب الوحيد، وكان تطور الأحداث في سورية وحولها، يكشف يوماً بعد يوم عن تخلف الحركة السياسية، وعجزها عن التصدي للمهام التي يضعها الواقع الموضوعي أمام سورية.

ومن أبرز المظاهر، المخادعة، والتضليلية، التي اتسمت بها الحياة السياسية في سورية، هي تلك الثنائية الوهمية التي شوهت المشهد السياسي، ونقصد بها ثنائية «النظام – المعارضة» التي انعكست في مرحلة ما قبل الأزمة، بتوافق برامج الطرفين« النقيضين» وخصوصاً ما يتعلق بالموقف من السياسات الليبرالية الاقتصادية، في حين يستوجب أي عمل معارض بالمعنى الحقيقي، الاستناد إلى برنامج بديل ونقيض، يقدم نموذجاً آخر في التصدي للمهام الوطنية الاقتصادية الاجتماعية، والديمقراطية، وجاءت الأزمة لتكشف هذه المفارقة بشكل صارخ أكثر فأكثر، وفي أكثر من مجال، إذ حاولت بعض قوى المعارضة، وما تزال، استنساخ مفهوم الحزب القائد، وبشكل كاريكاتوري وفرضه على القوى الأخرى في المعارضة، مستندة على الدعم الدولي والإقليمي، وبالإضافة إلى ذلك كانت طريقة التعاطي مع الأزمة دليلاً آخر على توافق الضدين المفترضين، حيث اقتصر أداء كلا الطرفين في هذا المجال على إدارة الأزمة وليس حلها، بحجج وذرائع شتى، كشفت التطورات عن لا واقعيتها، وعدم صلاحيتها في التعاطي مع أزمة بهذا المستوى الكارثي، كادت أن تطيح بموضوع الخلاف نفسه، أي البلاد كوحدة جغرافية وسياسية.

إن انفتاح باب الحل السياسي مجدداً، والتطورات السريعة التي تجري في هذا السياق منذ تبلور التوازن الدولي الجديد، وخصوصاً بعد هزيمة جبهة النصرة الإرهابية في حلب، جاءت بمثابة فرصة جديدة، وأخيرة، ربما أمام القوى الحية في المعارضة السورية، لتكفّر عن خطاياها على مدى العقود السابقة، وفي سنوات الأزمة، من خلال التقاط اللحظة التاريخية، والانخراط العملي في الجهود الدولية، وخصوصاً جهود الحلفاء الروس، لتحريك العملية السياسة، باعتبارها الطريق الوحيد للخروج من دوامة الأزمة، وذلك بالإقلاع نهائياً عن الشروط المسبقة، والعمل على تجاوز الحالة الانتظارية، وعقلية اقتناص الفرص، وتسجيل النقاط لمصالح حزبية ضيقة، والإسراع في تشكيل وفد واحد للمعارضة، يعكس الحالة التعددية في المعارضة، على قاعدة المساواة بين أطرافها استعداداً للمفاوضات.

 

إن الحل السياسي القادم بلا شك، والذي يعتبر التغيير الوطني الديمقراطي الجذري والشامل جزءاً لا يتجزأ منه، سيحمل معه، من جملة ما يحمل، فضاءً سياسياً جديداً، لا مكان فيه للاستقواء على الشعب، ولا مكان فيه للاستقواء بالخارج في الوقت نفسه، لا مكان فيه للبؤس السياسي، والمعرفي، والثنائيات الوهمية، فضاءً يكتسب مبررات وجوده من مدى تمثيله الحقيقي للشعب السوري، ومدى تعبيره عن مصالحه الوطنية والاقتصادية الاجتماعية والديمقراطية، كمهام مترابطة لا يمكن إنجاز إحداها دون الأخرى.

معلومات إضافية

العدد رقم:
793