افتتاحية قاسيون 1288: معنى زيارة غوتيريش؟
تحمل الزيارة التي يقوم بها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لسورية، والتي بدأت يوم السبت 25/7/2026، أهمية خاصة، من حيث توقيتها ومعانيها.
الزيارة، بطبيعة الحال، ليست شأناً بروتوكولياً أو استعراضياً، خاصةً وأن المعروف هو أن النشاطات المختلفة للأمين العام للأمم المتحدة، تتطلب حداً أدنى إلزامياً من التوافق بين الأعضاء الخمسة الدائمين لمجلس الأمن الدولي (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، بريطانيا، فرنسا).
بهذا المعنى، فإن الزيارة تعكس اهتماماً مشتركاً من الأعضاء الدائمين بالوضع السوري الراهن، وبآفاقه المحتملة، بما في ذلك الاحتمالات الخطرة القائمة نتيجة تراكم الأزمات، حتى وإن كانت الخلافات ما تزال مستمرة وواضحة حول الاتجاه المطلوب.
وتعكس الزيارة ضمناً، الحد الأدنى المتوافق عليه الخاص بسورية، وأساسه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وجوهره المتعلق بالحل السياسي والانتقال السياسي، ومتابعة هذا الانتقال ورعايته.
الواقع الملموس الذي تجري الزيارة في سياقه، يتضمن عدداً من العناصر الواضحة:
أولاً: الوضع الاقتصادي-الاجتماعي، المعاشي، شديد الصعوبة، للغالبية العظمى من السوريين التي تعيش تحت خط الفقر، مع ما يحمله ذلك من مخاطر من كل الأنواع.
ثانياً: استمرار العقوبات الاقتصادية الغربية، وخاصة الأمريكية، في لعب دورٍ مهم في لجم أي تطور للوضع الاقتصادي، رغم كل ما يقال عن رفعها.
ثالثاً: بالتوازي، هنالك الضغوطات الخارجية السلبية التي تمارسها الولايات المتحدة سياسياً، واقتصادياً (في الدفع نحو تدخل عسكري في لبنان، وفي غيره من المسائل)، ومعها الضغوطات والاعتداءات العسكرية التي تمارسها «إسرائيل».
رابعاً: الوضع الأمني المتوتر، والذي تزداد احتمالات توتره بشكل إضافي، في ظل أوضاع اقتصادية سيئة من جهة، وفي ظل دفع خارجي واضح نحو الاقتتال الداخلي على أسس طائفية ودينية وقومية، مع تجدد إسناد أدوار لمنظمات إرهابية من طراز «داعش».
خامساً: على المستوى الاقتصادي أيضاً، فإن الاتجاه العام للسياسات القائمة، ما يزال اتجاه الليبرالية الجديدة، بكل ما تحمله من إنهاء لدور جهاز الدولة الاجتماعي، ومن مزيد من الإفقار والتهميش.
سادساً: الوضع السياسي ما يزال قائماً على محاولة احتكار السلطة، مع قدر ما من المشاركة الشكلية غير الحقيقية.
أخيراً: تبرز الأشهر الأخيرة أن التوتر والأزمات المتنقلة من منطقة إلى أخرى في البلاد، من الساحل إلى السويداء، إلى الشمال الشرقي، هو توتر مرتبط بالوضع العام حتى وإن ظهرت أسباب خاصة في كل حالة. والخطير هو أن أي نقطة توتر جديدة، (والآن هنالك خطورة توتر جديد واضحة في الشمال الشرقي والشرق، ضمناً دير الزور) يمكنها أن تعيد تفعيل النقاط الأخرى التي لم تُشْفَ بعد.
الحل السياسي ودور الأمم المتحدة
رفض بشار الأسد طوال سنوات متتالية، أي دور حقيقي للأمم المتحدة في تيسير حل الأزمة في سورية، وعبَّر عن ذلك عملياً بالرفض الضمني للقرار 2254، وبرفض اقتراح نقل أعمال اللجنة الدستورية إلى دمشق (الذي طرحناه في أول اجتماعاتها)، وفي رفض فتح مكاتب الأمم المتحدة وفريقها الخاص بسورية في دمشق، وإبقائها في جنيف.
وقد أثبتت الأحداث أن رفض الحل السياسي زاد الأوضاع تفاقماً وسوءاً، وكلف السوريين المزيد والمزيد من الخسائر والتضحيات.
واليوم، ما نزال بحاجة إلى الحل السياسي الشامل الذي جوهره هو إنفاذ حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، عبر مشاركة حقيقية، إحدى أدواتها الأساسية هو المؤتمر الوطني العام، وحكومة الوحدة الوطنية الشاملة للتيارات والاتجاهات السياسية والاجتماعية في البلاد.
وما نزال أيضاً، بحاجة لدور تيسيري تقوم به الأمم المتحدة، يعكس التوافقات الدولية من جهة، ويستفيد من تلك التوافقات في منع أي طرف خارجي من ممارسة ضغوط أحادية الجانب على البلاد... فرغم كل ما يمكن أن يقال عن دور الأمم المتحدة، ولكن وجود دورها التيسيري هو ضمانة أساسية في احتواء وتخفيف حدة الضغوط الخارجية التي يمكن أن يمارسها طرف من الأطراف الأساسية الكبرى، من خارج المنظمة.
(English Version)
بالمحصلة، فإن أمام السوريين، بمختلف قواهم ومواقعهم، فرصة الاستفادة من دور الأمم المتحدة انطلاقاً من دمشق، في تأريض محصلة التدخلات الخارجية، وخاصة «الإسرائيلية»، وفي تيسير الحل السياسي الداخلي الذي كان ضرورة، وبات ضرورة ملحّة ووجودية!
معلومات إضافية
- المصدر:
- 1288