صناعة النسيج ووهم «اللمسة الأخيرة»!
سارة جمال سارة جمال

صناعة النسيج ووهم «اللمسة الأخيرة»!

لم تكن الصناعة النسيجية في سورية، وعلى مدى عقود، مجرد قطاع اقتصادي؛ فقد كانت «مرآة» للهوية الوطنية ومقياساً للاكتفاء والسيادة.

لكن السردية اليوم مختلفة تماماً؛ فالواقع الذي يفرض نفسه يكشف عن دولة فقدت بوصلة الإنتاج، وتحولت من مصدر للغذاء والكساء إلى سوق استهلاكية تلتهم المستوردات، وسط حديث حكومي متكرر عن «جذب المستثمرين».


أزمات هيكلية


يعاني قطاع النسيج من تراكمات مرَضية بدأت قبل الحرب، لكنها تفاقمت بشكل كارثي خلال السنوات الماضية. وأدى غياب الدعم الحكومي الحقيقي إلى تحويل المصانع من ورش إنتاج إلى هياكل خرسانية تئن تحت وطأة الإهمال.
وبدءاً من السياسات الليبرالية للسلطة الساقطة، مروراً بأعوام الحرب والعقوبات، ووصولاً – أو عودة – إلى السياسات نفسها اليوم، أصبح المُنتج السوري غير قادر على مجاراة المستورد لا سعراً ولا جودة.


الانفتاح الاقتصادي!


في قلب الأزمة يقف ما يوصف «بالانفتاح الاقتصادي»، الذي يتحول في التطبيق العملي إلى أداة ممنهجة لهدم الصناعة الوطنية. فبدلاً من أن تكون قوانين الاستيراد حاجزاً حمائياً لصناعة محلية في طور التعافي، تحول الإطار القانوني نفسه إلى غطاء لاستيراد كل ما هو جاهز وشبه جاهز.
ووصف بعض الصناعيين لهذه السياسات «بالتهريب المشرَعن» ليس مبالغة؛ فهو يشير إلى حالة من التكامل غير المعلن بين جهات التهريب والاستيراد وبعض القوانين التي سهلت دخول البضائع من دون أي اعتبار لتأثيرها التدميري.


انهيار الأرقام وإهمال التراث


للأرقام لغة لا تعرف المجاملة؛ فسورية التي كانت تنتج 600 ألف طن سنوياً من القطن تراجع إنتاجها إلى أقل من 30 ألف طن، ما يعني توقف المعامل التي كانت تعتمد على هذا المحصول الاستراتيجي عن العمل، إضافة إلى فقدان آلاف العمال لوظائفهم.
وبالتبعية، لم تتجاوز صادرات النسيج في عام 2024 حاجز 51,9 مليون دولار، بعد أن كانت هذه الصناعة تشكل شرياناً رئيسياً للخزينة العامة.
ولا تقف المأساة عند حدود الأرقام الزراعية، ففي غضون سنوات قليلة انقرضت فعلياً صناعات البروكار والدامسكو والأغباني، التي تفننت فيها الأيدي السورية بتوشية الحرير بالخيوط الذهبية والرسوم الملونة، لكن انهيار إنتاج الحرير الطبيعي من 300 طن سنوياً إلى طن واحد فقط عام 2025، جعل تلك الحرف أسيرة الذاكرة، عوضاً عن أن تكون مصدر دخل وطني وعلامة تجارية تنفرد بها البلاد.


انتحار ممنهج!


يبدو أن التوجه الجديد إلى الاستثمار يقف عند حدود صناعة «اللمسة الأخيرة»؛ أي استيراد مستلزمات الإنتاج كافة من خيوط وأقمشة، والاكتفاء بتجميعها أو تفصيلها محلياً.
وتتجلى كارثية هذا النموذج في تخليه عن حلقات الإنتاج الأعمق كإنتاج الألياف الطبيعية والصناعية والغزل والمعالجة الأولية، وهي الحلقات التي تحمل قيمة مضافة حقيقية، وتخلق آلاف فرص العمل، وتحقق تنمية مستدامة.
أما وباختيار هذا المسار، تتحول سورية رسمياً إلى دولة تابعة في تصنيعها، تخضع لتقلبات الأسواق العالمية ومزاج الدول المصدّرة، وتحول المجتمع إلى مجتمع استهلاكي بحت لا يمتلك أدوات السيادة على احتياجاته.


المخرج .


يستوجب العودة إلى الواجهة الصناعية أكثر من بيانات تفاؤلية حول المستقبل، والأجدى هو إعادة هندسة شاملة لسلسة القيمة، بدءاً من دعم الفلاح ومربي المواشي وإحياء تربية دود القز، ومن ثم تأهيل المحالج والمعامل، وانتهاءً بتقديم حوافز حقيقية للتصدير، مع فرض حماية جمركية تمنح الصناعة المحلية فترة سماح للتنفس.
فمن دون إرادة سياسية لإعادة الاعتبار للصناعة كخيار سيادي، وليس كبضاعة ترويجية في المؤتمرات، ستبقى سورية رهينة لواقع مرير، يزداد فيه الاستيراد اتساعاً، وتتقلص أي إمكانية لانعاش اقتصادي جاد.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288