نظرة على واقع عمال صناعة الأحذية
إلياس زيتون إلياس زيتون

نظرة على واقع عمال صناعة الأحذية

في إحدى جولاتنا بمنطقة الدحاديل على أطراف دمشق، التقينا بأبي ماهر، الذي يعمل في أحد معامل الأحذية الصغيرة المنتشرة عادة في مناطق السكن العشوائي، بعيداً عن أعين المؤسسات الحكومية ورقابتها. وخلال الدقائق التي جلسناها بضيافته، حاولنا أن نستطلع شيئاً من واقعه المهني والمعيشي بعيداً عن التقارير الجافة والأرقام الصامتة، فاسترسل في الحديث بعفويته ولهجته الريفية المحببة.

يقول أبو ماهر:


«اشتغلت بهاد المعمل من أكثر من 6 سنين وسكنت قريب من شغلي هون ببيادر نادر، عندي 3 أولاد كلن مدارس، ابني بالابتدائية وبناتي إعدادي، بقبض باليوم تقريباً 200 ألف ليرة، طبعاً بشتغل 12 ساعة باليوم، بس في استراحة وحيدة نص ساعة كل يوم كرمال ناكل أكلاتنا اللي بنجيبها معنا من البيت حسب شو طابخة أم ماهر».


سيدي حط بالخرج


يتابع حديثه وهو يشير إلى طاولة العمل التي يجلس إليها لساعات طويلة:
«كل يوم بطلع من بيتي وهي الشمس يادوبها طالعة، وبرجع على بيتي وهي عم تغيب، مثلي مثل كل هالعالم أغلب وقتنا بالشغل. أول فترة كنت بتحمل القعدة الطويلة والشغل الصعب، بس هلق صار عندي مشاكل بالظهر والرقبة، والدكتور قلي إنو بداية ديسك. سيدي حط بالخرج...».
لكن آلام الظهر ليست المشكلة الوحيدة التي يعاني منها أبو ماهر وزملاؤه. فالمعمل يعتمد بشكل أساسي على المواد اللاصقة المستخدمة في صناعة الأحذية، وهي مواد ذات روائح نفاذة يتعرض لها العمال يومياً ولساعات طويلة.
يقول: «ومثل مبتعرف، ريحة المواد عبت صدرنا لدرجة إنو صرنا نعتبرها جزء أساسي من يومنا. أول فترة كان راسي يوجعني وحس بدوخة، أما هلق صارت جزء من يومي، بس أكيد السعلة وضيق النفس كمان صار جزء من يومي. هلق لساتنا عايشين، شو عم يصير معنا، بس بعد سنين ما بعرف شو ممكن يصير».


شو مفكر عايشين بسويسرا؟


وعندما سألناه إن كان يتمتع بأي تأمين صحي أو ضمان اجتماعي، ابتسم ابتسامة قصيرة وقال:
«لا تأمين ولا عقد، شو شايفني بسويسرا؟! بمرض بتعالج لحالي، وبس غيب بيخصمولي. أنا بشتغل كل يوم بيومو، باخذ مصاري وبأمن ربطة الخبز كل يوم نفس الشي».
يحاول أبو ماهر أن يحسب مصاريف أسرته الشهرية فيجد أن الأرقام تسبقه دائماً. إيجار المنزل، الطعام، الملابس، أقساط الدروس والقرطاسية المدرسية، المواصلات، الأدوية، وفواتير الخدمات المختلفة، كلها تستهلك دخله بسرعة.
يقول: «أكيد الراتب ما بكفي، وأكيد أنا ما عم احكي إنو بدي اشتري سيارة أو أمن لولادي بيت، أنا عم احكي إنو ما بيكفيني كفي الشهر أكل وشرب وأجار. وهي ما حكينا إذا صار شي طارئ دكتور - دواء، أو خرب شي بالبيت بدو تصليح، وفوراً بندور عحدا يدينا لأول الشهر، وطبعاً كلو مثلك مثلك...»


من الجمل أذنو


المفارقة التي لا تغيب عن أبي ماهر أنه يشارك يومياً في إنتاج أحذية تباع في الأسواق تحت أسماء شركات معروفة، كون هذا المعمل الصغير يشتغل لصالح شركة تجارية للأحذية المعروفة، ويصل سعر الحذاء الواحد منها أحياناً إلى ما بين 600 و800 ألف ليرة سورية. وعندما سألناه عن ذلك أجاب بهدوء:
«هلق الأحذية اللي عم ننتجها بضاعة مرتبة وكواليتي عالية، بس يا أخي أنا صنعتو وبعرفو منيح، وبعرف قدي جلده وقدي خيطو وقدي أخد من وقتي ومن صحتي، وبعرف قدي عم يربحو، فليش ما بيعطونا أجر متل العالم والناس؟ ولا حدا يقول لهالشعب طولوا بالكم، لأنو العلة مو فينا، وطولة بالنا، العلة فيهم، وبهالطريقة اللي ماشية فيها البلد، كل مالها الأمور لأسوء، لدرجة إنو بالحي نسبة اللي عم يشتغلو قليلة كتير، الناس ماتت حرفياً ماتت».
قصة أبي ماهر ليست استثناءً، بل تشبه قصص آلاف العمال الذين يعملون يومياً في الورشات والمعامل الصغيرة المنتشرة في دمشق وريفها. عمال يعملون لساعات طويلة، ويتعرضون لمخاطر صحية ومهنية متعددة، بينما تغيب عنهم في كثير من الأحيان أبسط أشكال الحماية القانونية والتأمينية، لأنهم عمال اقتصاد الظل غير المنظم، وعمال في زمن ما زالت حكوماته المتتالية منذ عقود ترسم اقتصاداً متوحشاً لا يكترث بالعمال والمنتجين والكادحين.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288