قاسيون
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مرة أخرى، يُقدَّم لنا «إنجاز» رقمي مُغلَّف بخطاب عصري يطغى عليه البهرجة، كنتاج لورشة العمل الخاصة التي عقدت بتاريخ 26 كانون الثاني 2026 لإطلاق التطبيق الحكومي الإلكتروني الموحد «وجب»، المخصص لتلقي شكاوى ومقترحات المواطنين عبر الوزارات والجهات العامة كافة (تطبيق موحّد للشكاوى- تتبّع- تقييم- وشفافية). عناوين براقة، ووعود جاهزة، وكأن المشكلة في هذا البلد كانت دوماً نقص النماذج الإلكترونية لا اختلال السياسات. وكأن هموم الناس الكبرى تنتظر زرّ «إرسال» كي تُحل.
في خطابات وتصريحات رسمية متكررة، خلال السنة الماضية وحتى الآن، بدا أن المسؤولين السوريين يعيشون في عالم موازٍ، يتحدثون عن «سورية الجديدة» و«الانطلاقة التاريخية»، بينما يتجاهلون واقع ملايين السوريين الذين لا يزالون يكابدون تبعات سنوات الحرب، ويكافحون من أجل أبسط حقوق الحياة؛ الغذاء، العمل، التعليم، الكهرباء، الدواء، والاستقرار الاجتماعي.
نُقل تعليق عن وزير المالية يسر برنية بتاريخ 28 كانون الثاني قال فيه إنّ الحكومة تتجه إلى رفع الضرائب على الكحول ومنتجات الدخان ومشروبات الطاقة والمشروبات والمنتجات عالية السكر، موضحاً أنّ هذه الإجراءات تستهدف السلع الضارّة بالصحة العامة. وأوضح أنّ الهدف الأساسي من هذه السياسة هو مكافحة التهريب، مشيراً إلى أنّ نسب الضرائب المقترحة مماثلة لما هو معمول به في عددٍ من الدول الأخرى. وأكد أنّ الضرائب في سورية ستكون منافسة مقارنة بدول الجوار وأقلّ منها، لافتاً إلى أنّ الوزارة ستجري دراسة شاملة للعبء الضريبي ومقارنته مع الدول المجاورة للتأكّد من عدالته وملاءمته للواقع الاقتصادي.
على الرغم من أن الأوبئة البشرية تسبق الرأسمالية تاريخيّاً، فإن التسارع الملحوظ في ظهور الأوبئة منذ الثورة الصناعية (كالكوليرا)، وخاصة في أواخر القرن العشرين (مثل الإيدز، سارس، كوفيد-19)، يرتبط زمنيّاً وجوهريّاً بعلاقات الإنتاج الرأسمالية، وبالتمثيل الاجتماعي المُغترب مع الطبيعة، وبالتسارع المتزايد لاختراق حدود النظام الأرضي. هذه الأوبئة مرتبطة عضوياً بالرأسمالية المتطورة، بسرعتها العالية، وتدفقها بعيد المدى للسلع والعمال جنباً إلى جنب مع الحيوانات والنباتات والكائنات الدقيقة.
يخرج السوريون بشكل تدريجي من حالة الذهول التي أحدثتها صدمة فواتير الكهرباء الجديدة؛ ويبدؤون بالتعبير بأشكال متعددة ومتصاعدة عن استيائهم الشديد، وعن رفضهم للرفع الفلكي في أسعار الكهرباء. أحد أبرز التعبيرات هو مقاطعة دفع فواتير الكهرباء، والذي لخصته جملة «ماني دافع»؛ علماً أن قراءة الأرقام السورية، يمكنها أن تقدم جملة أخرى أكثر تعبيراً عن الواقع هي: «حتى لو بدي ادفع، ما معي ادفع»!
في ضوء نظرية القيمة الزائدة عند كارل ماركس يمكن فهم واقع العمال في سورية لا بوصفه حالة استثنائية أو طارئة بل كأحد الأشكال المتطرفة لانكشاف جوهر الاستغلال الرأسمالي في ظروف الحرب والانهيار.
يرتفع خلال الأيام الأخيرة- وبعد ما جرى في الشمال الشرقي السوري- الحديث عن قرب انسحاب عسكري أمريكي كامل من سورية، بل وربما من العراق أيضاً، وبالتوازي.
يرى البعض، أن ما جرى خلال الأسبوعين الأخيرين، في حلب ومن ثم غرب وشرق الفرات، هو خطوة باتجاه استعادة الوحدة السياسية الجغرافية لسورية. وهذا الكلام يعكس جزءاً من الواقع، ولكنه لا يعبر عنه تعبيراً دقيقاً، ولا يمكنه أن يتحول إلى نقطة انطلاق صحيحة لكيفية استعادة وحدة سورية بشكل حقيقي ومستدام، وعلينا أن نضع خطوطاً عديدة تحت كلمتي حقيقي ومستدام...
وصلت فواتير الكهرباء الجديدة إلى بيوت السوريين، فأشعلت ما تبقى من صبرٍ في نفوسهم. حيث تحولت الشكوى الصامتة إلى غضبٍ علني ضد منطق الجباية الجائرة من جيوب الناس الذين عبّر بعضهم صراحة: «ما رح ادفع!»، ومن دفع منهم فعل ذلك، وفي نفسه شعور هائل بالخذلان من حكومة كان يجب أن تنهي السياسات الاقتصادية لسلطة الأسد التي أفقرت السوريين وجوعتهم.