متقاعدون بعقود مجزية... ومفتشون مجمّدون بلا حقوق ماذا يجري في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش؟

متقاعدون بعقود مجزية... ومفتشون مجمّدون بلا حقوق ماذا يجري في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش؟

منذ مطلع عام 2025، يعيش نحو 190 مفتشاً وعشرات العاملين في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش وضعاً وظيفياً استثنائياً لا يستند إلى مسار قانوني واضح. فقد مُنحوا إجازات مأجورة استناداً إلى ما سمي «تقييمات» لم ترتبط بملفات فساد أو تحقيقات أصولية أو إحالات إلى المجلس الأعلى للهيئة، بل استندت إلى آراء وانطباعات شخصية جرى اعتمادها بحق مئات المفتشين دفعة واحدة.

وإذا كانت مكافحة الفساد هدفاً مشروعاً، فإن القانون رسم طريقها بوضوح؛ تحقيق، مساءلة، إحالة إلى الجهات المختصة، ثم محاسبة من تثبت مسؤوليته. أما ما جرى فكان أقرب إلى عقوبة جماعية طالت مفتشين لم تصدر بحقهم أي قرارات مسلكية أو قضائية، ولم يتم حتى إبلاغهم بأسباب استمرار وضعهم على الإجازة المأجورة.

الأكثر إثارة للاستغراب أن هذه «التقييمات» جرت في مؤسسة يقوم عملها أساساً على السرية واستقلالية المفتشين.
فكيف يمكن لعدد محدود من الأشخاص تقييم مئات المفتشين، في حين أن طبيعة العمل التفتيشي تجعل كل مفتش مسؤولاً عن ملفات لا يطلع عليها زملاؤه؟
وكيف يمكن اختزال خبرات تراكمت على مدى عشرات السنين إلى ملاحظات وآراء غير موثقة؟
ورغم صدور قرار الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء بطي الإجازات المأجورة الممنوحة للعاملين في الدولة، ورغم انتهاء التقييمات منذ أشهر طويلة، ما زالت الهيئة تمتنع عن تنفيذ القرار بصورة شاملة، مكتفية بإعادة أعداد محدودة جداً من المفتشين، فيما بقيت الغالبية في حالة تجميد وظيفي لا هي عودة إلى العمل ولا هي إجراءات قانونية حاسمة.

هذا الواقع انعكس بصورة قاسية على الوضع المعيشي للمفتشين. فبينما ارتفعت رواتب المفتشين العاملين إلى ما لا يقل عن 8,2 ملايين ليرة سورية شهرياً مع تعويض التفتيش والزيادات الأخيرة، بقي المشمولون بالإجازات المأجورة يتقاضون نحو 1,2 مليون ليرة فقط، بعد حرمانهم من الزيادة النوعية ومن تعويض التفتيش، رغم أنهم ما زالوا قانوناً على رأس عملهم ولم تصدر بحقهم أي عقوبات أو قرارات فصل.
وهنا يبرز سؤال قانوني مشروع:
ما هو السند القانوني لحرمان موظف ما يزال مثبتاً على رأس عمله من الزيادة النوعية ومن جزء أساسي من أجره؟
وكيف يمكن اعتبار الإجازة «مأجورة» فيما يتقاضى صاحبها أقل من ربع ما يتقاضاه زملاؤه؟
المفارقة الأكثر لفتاً للانتباه أن الهيئة، وفي الوقت الذي تبقي فيه مئات المفتشين ذوي الخبرة خارج العمل الفعلي، لجأت إلى التعاقد مع عدد من المفتشين المحالين إلى التقاعد منذ سنين طويلة لقاء أجور شهرية تقارب 450 دولاراً أمريكياً. فإذا كانت الحاجة إلى الخبرات قائمة، فلماذا لا تتم الاستفادة من المفتشين الموجودين أصلاً على ملاك الهيئة؟ ولماذا يتم تعطيل خبرات تراكمت عبر عقود طويلة من العمل الرقابي في وقت يتم البحث فيه عن خبرات بديلة من خارج الملاك العامل؟
إن القضية اليوم لم تعد تتعلق بمجرد إجازات مأجورة، بل بمئات المفتشين الذين يعيشون حالة معلقة بين العمل والإقصاء، ويتحملون تبعات مالية ومهنية ومعنوية كبيرة من دون محاسبة أصولية أو قرارات قانونية نهائية. كما أنها تثير تساؤلات جدية حول أسباب استمرار تجاهل قرار طي الإجازات، وحول جدوى تعطيل كفاءات رقابية يفترض أن تكون جزءاً من عملية الإصلاح لا ضحية لها.
فالعدالة لا تتحقق بالعقوبات الجماعية، ومكافحة الفساد لا تكون بتجميد الكفاءات أو دفعها إلى الإحباط والتهميش، بل بتطبيق القانون على الجميع، ومحاسبة المسيء وفق الأصول، والاستفادة من أصحاب الخبرة والنزاهة في بناء مؤسسة رقابية أكثر قوة وفاعلية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1280