كارثة الفرات في دير الزور والرقة... حين كشفت المياه ثمن الإهمال المزمن

كارثة الفرات في دير الزور والرقة... حين كشفت المياه ثمن الإهمال المزمن

لم يكن فيضان نهر الفرات الأخير في دير الزور والرقة مجرد حادث طبيعي استثنائي، بل تحول إلى كارثة إنسانية وزراعية وتنموية واسعة النطاق كشفت حجم التحديات المتراكمة التي تواجه المنطقة منذ عقود، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول واقع البنية التحتية وإدارة الموارد المائية والاستعداد للكوارث.

وتكتسب هذه الكارثة أهمية خاصة لأنها وقعت في منطقة يحتضنها أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في تاريخ سورية الحديثة، وهو سد الفرات الذي أُنشئ أساساً من أجل ضبط تدفقات النهر، والحد من أخطار الفيضانات الموسمية، وتأمين مياه الري، وتوليد الطاقة الكهربائية، وتحويل المنطقة الشرقية إلى مركز رئيسي للتنمية الزراعية والاقتصادية.

فعندما أُقيم السد في سبعينيات القرن الماضي، كان الهدف منه ترويض نهر الفرات والاستفادة القصوى من مياهه. وقد شكّلت بحيرته الصناعية العملاقة، التي تتسع لمليارات الأمتار المكعبة من المياه، خزاناً استراتيجياً ضخماً قادراً على استيعاب الزيادات الموسمية في التدفقات المائية، فيما زُودت محطة التوليد الكهرومائية بثماني عنفات تصل قدرتها التصميمية إلى نحو 880 ميغاواط، ما جعل المشروع أحد أكبر المشاريع التنموية في البلاد.
كما صُمم السد ليؤدي دوراً أساسياً في حماية المناطق الواقعة على امتداد النهر من الفيضانات عبر تنظيم التدفقات المائية وفتح المفيضات عند الضرورة لتخفيف الضغط على جسم السد وضمان سلامته وسلامة المناطق الواقعة في مجرى النهر.
لكن ما شهدته دير الزور والرقة خلال الأيام الماضية أعاد مشاهد الفيضانات إلى الواجهة. فمع ارتفاع الواردات المائية إلى مستويات استثنائية، اضطرت الجهات المعنية إلى زيادة التصريف المائي وفتح المفيضات لحماية السد وبحيرة التخزين، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع منسوب النهر وغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والجزر النهرية والقرى الواقعة على ضفتي الفرات.

وتشير التقديرات الأولية إلى تضرر نحو 2400 عائلة في دير الزور وحدها، فيما طالت الأضرار آلاف السكان في الرقة والمناطق المجاورة. وقد غمرت المياه مئات الهكتارات المزروعة بالقمح والشعير في ذروة موسم الحصاد، لتضيع جهود موسم زراعي كان يُعد من أفضل المواسم منذ سنوات طويلة.
كما لحقت أضرار واسعة بالمضخات الزراعية وشبكات الري والآليات والمعدات الزراعية ومزارع الأسماك والثروة الحيوانية، فضلاً عن خروج عشرات محطات مياه الشرب عن الخدمة وتضرر عدد من المرافق الخدمية الأساسية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.

وعلى المستوى الإنساني، سجلت حالات وفاة وغرق ومفقودين، فيما عاش آلاف السكان حالة من القلق والعزلة نتيجة ارتفاع المياه وتعطل وسائل العبور بين ضفتي النهر. فقد انهارت أو تعطلت الجسور الترابية التي كانت تُستخدم كبديل مؤقت للجسور الدائمة المدمرة، بينما ازدادت مخاطر العبّارات النهرية البدائية التي لا تتوافر فيها شروط السلامة الأساسية.
وقد أدى ذلك إلى انقطاع التواصل بين العديد من القرى والتجمعات السكانية، وصعوبة وصول الخدمات الصحية والإغاثية، وتعطل حركة السكان والطلاب والموظفين والمزارعين، فضلاً عن تأخر نقل المحاصيل والمواد الغذائية والبضائع بين ضفتي النهر.
وكشفت الكارثة مرة أخرى حجم التراجع الذي أصاب البنية التحتية في المنطقة خلال السنوات الماضية. فالجسور التي دمرتها الحرب لم تُستبدل حتى اليوم بمنشآت دائمة وآمنة، والطرق لا تزال بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة، فيما تعاني الخدمات الصحية وشبكات المياه والكهرباء من ضعف مزمن يجعل أي أزمة طبيعية تتحول سريعاً إلى أزمة إنسانية.
كما تعرضت الاستجابة الرسمية لانتقادات واسعة بسبب تأخر التحذيرات وعدم وجود أنظمة إنذار مبكر فعالة أو خطط إجلاء منظمة للسكان والمزارعين. فقد جاءت معظم التحذيرات بعد بدء ارتفاع المياه ووصولها إلى المناطق المهددة، في وقت كان يمكن فيه تقليل جزء كبير من الخسائر عبر إجراءات استباقية أكثر فاعلية.

غير أن الكارثة الحالية يجب أن تشكل نقطة تحول حقيقية في طريقة التعامل مع المنطقة الشرقية. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على تقديم المساعدات العاجلة أو معالجة آثار الفيضان، بل يتطلب إطلاق خطة طوارئ متكاملة تشمل إغاثة المتضررين وتأمين الغذاء والدواء ومياه الشرب وإعادة تشغيل المرافق الحيوية وفتح طرق العبور الآمنة بين ضفتي النهر.
كما تبرز الحاجة إلى برنامج تعويضات عادل وشفاف يشمل المزارعين وأصحاب المحاصيل المتضررة وأصحاب المعدات الزراعية والأسر التي فقدت مصادر دخلها أو تضررت منازلها، بما يضمن مساعدة السكان على استعادة حياتهم الطبيعية والعودة إلى الإنتاج.
أما على المدى البعيد، فإن المنطقة تحتاج إلى مشروع تنموي واستثماري شامل يعيد بناء الجسور الدائمة على امتداد الفرات، ويؤهل شبكة الطرق، ويطور شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، ويعزز الخدمات الصحية والطوارئ، ويؤسس لأنظمة حديثة للحماية من الفيضانات وإدارة الكوارث.
وفي الوقت نفسه، تفرض الكارثة ضرورة إجراء تقييم فني وهندسي شامل لسد الفرات ومنشآته المختلفة. فالسد الذي تعرض خلال سنوات الحرب لأضرار مباشرة وغير مباشرة يحتاج إلى مراجعة دقيقة لحالة جسم السد والمفيضات ومنشآت التصريف وأنظمة المراقبة والسلامة، للتأكد من جاهزيته لمواجهة التحديات المناخية والفيضانات المستقبلية.
كما أن محطة التوليد الكهرومائية التابعة للسد تحتاج إلى برنامج إعادة تأهيل شامل يعيد العنفات الثماني إلى أفضل حالاتها التشغيلية ويستعيد القدرة التصميمية للمحطة البالغة نحو 880 ميغاواط، بما يساهم في دعم منظومة الكهرباء الوطنية وتحقيق أحد الأهداف الأساسية التي أنشئ المشروع من أجلها.

لقد أثبتت كارثة الفرات أن المشكلة لا تكمن في النهر وحده، ولا في السد الذي شُيّد لحماية المنطقة وتنميتها، بل في تراكم سنوات طويلة من الإهمال وضعف الاستثمار والتراجع في البنية التحتية والخدمات العامة. واليوم، وبعد انحسار ذروة الفيضان، تبدو الفرصة متاحة لتحويل هذه المأساة إلى نقطة انطلاق نحو مشروع حقيقي لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة، يعيد للفرات دوره كمصدر للحياة والازدهار، لا كمصدر للخوف والقلق مع كل ارتفاع جديد في منسوب مياهه.
وفي خضم النقاش حول حجم الأضرار والخسائر، تبقى الحقيقة الأهم أن المتضررين لا يحتاجون إلى بيانات تعاطف مؤقتة أو وعود مؤجلة أو لجان لا تنتهي أعمالها، بل يحتاجون إلى إجراءات ملموسة وعاجلة على الأرض تعيد إليهم الشعور بالأمان والاستقرار. فالمزارع الذي فقد محصوله يحتاج إلى تعويض عادل وسريع يمكنه من العودة إلى أرضه، والعائلة التي تضرر منزلها تحتاج إلى الدعم وإعادة التأهيل، والقرى المعزولة تحتاج إلى جسور وطرق وخدمات لا إلى مزيد من الوعود.
لقد دفعت دير الزور والرقة ثمن الفيضان، لكنها دفعت قبل ذلك ثمن سنوات طويلة من الإهمال والتراجع التنموي، ولذلك فإن الاستجابة الحقيقية للكارثة لا تُقاس بحجم التصريحات، بل بمدى القدرة على تحويل الخطط إلى مشاريع منفذة، والتعهدات إلى إنجازات ملموسة، والتعويضات إلى حقوق تصل إلى أصحابها بعدالة وشفافية.
إن ما تحتاجه المنطقة اليوم هو برنامج عمل واضح يبدأ بالإغاثة والتعويض وإعادة التأهيل، ولا ينتهي إلا بتنفيذ مشروع تنموي شامل يعيد بناء الجسور والبنية التحتية والخدمات الصحية وشبكات المياه والكهرباء، ويعيد لسكان الفرات حقهم في التنمية والأمان والاستقرار بعد سنوات طويلة من المعاناة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1280