الصعود الاقتصادي الصيني نتيجة لازمة للبنية الموحدة

الصعود الاقتصادي الصيني نتيجة لازمة للبنية الموحدة

منذ تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر السبعينيات، ارتبط الصعود القوي للاقتصاد الصيني ولحاقه بالتكنولوجيا ارتباطاً وثيقاً بالجذور التاريخية والبنية المؤسسية للصين بوصفها دولة موحدة كبرى: فقد دفع قيد ندرة الموارد الصينَ في المرحلة المبكرة من الإصلاح والانفتاح إلى اختيار استراتيجية تصنيع تعتمد أساساً على رأس المال الأجنبي، وعلى «مبادلة السوق بالتكنولوجيا». كما أن نظام الحوافز القائم على تقييم الأداء السياسي نسّق بين قوة بناء الدولة، ومنطق تطور اقتصاد السوق. وضمنت القدرة القوية للدولة التخطيط الاستراتيجي الشامل، والتوفير الشامل للبنية التحتية. أما السوق المحلية الضخمة والمندمجة بدرجة عالية، فقد ولّدت نمطاً فريداً من نوعه هو «الابتكار العكسي».

جانغ جون


في كتابه الجديد «اقتصاديات التنمية للدولة الموحدة الكبرى»، يبدأ الاقتصادي المعروف، وعميد كلية الاقتصاد في جامعة فودان، البروفيسور جانغ جون، من العمق التاريخي للدولة الموحدة الكبرى، ويعيد التفكير في منطق تطور الاقتصاد الصيني، ويبني إطاراً تحليلياً يقوم على آلية ثلاثية التأثير: «قيد الموارد ـ نظام الحوافز ـ قدرة الدولة». ويهدف هذا الإطار إلى تفسير خصوصية التنمية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي في الصين واستدامتهما، وتقديم نموذج صيني في اقتصاديات التنمية.
في هذا الكتاب، يكتب البروفيسور جانغ جون: «آمل، في هذا الكتاب الصغير الذي لا يتجاوز 100 ألف كلمة، أن أقدم للقراء إطاراً تحليلياً بسيطاً يساعدهم على فهم أعمق للمنطق الداخلي لتطور الاقتصاد الصيني، وأن يساعدنا هذا الإطار على فهم كيف استطاعت الصين جعل آلية الدفع في بناء الدولة متوافقة مع منطق تطور اقتصاد السوق... إن القراء الذين يستهدفهم هذا الكتاب ليسوا الباحثين المتخصصين فقط، بل أيضاً القراء العاديين المهتمين بهذه الظاهرة الكبرى، أي صعود الاقتصاد الصيني. وقد حاولت في الكتابة أن أتجنب قدر الإمكان استخدام المفاهيم والطرائق شديدة التخصص، وأن أستخدم أكثر بعض القصص المألوفة لدى القراء العاديين والبيانات السهلة الفهم».


الحقائق الأساسية المميزة في ظاهرة صعود الاقتصاد الصيني


خلال أكثر من أربعين عاماً مضت، اعتُبر التطور الاقتصادي في الصين على نطاق واسع معجزة. وليس هذا فحسب، فالصين اليوم دخلت أيضاً إلى صدارة العالم في مجالات تطبيق التكنولوجيا والابتكار، وتحافظ على زخم تقدم سريع، وحققت إنجازات لافتة. تمتلك الصين بنى تحتية عامة من الدرجة الأولى في مجالات أساسية واستراتيجية، مثل: شبكات نقل الكهرباء فائقة الجهد، والطاقة الخضراء، وشبكات الاتصال، وقدرة الحوسبة، والسكك الحديدية عالية السرعة. وهذا جعل التصنيع المتقدم في الصين يحقق ميزة تكلفة هائلة على المستوى العالمي. وقد تجاوز الأداء في هذه الجوانب بكثير أقصى مستوى محتمل يمكن لاقتصاد نامٍ نموذجي أن يبلغه في أفضل الحالات.

إذا نظرنا إلى التاريخ العالمي خلال القرنين الماضيين وأكثر، فإن صعود الاقتصاد الصيني غير عادي. فكيف ينبغي أن نجد تفسيراً معقولاً لصعود الاقتصاد الصيني؟ يجب أن يقوم إطار التفسير المعقول على الحقائق الأساسية المميزة في ظاهرة صعود الاقتصاد الصيني، وأن يكون قادراً على التقاطها.
تتمثل خصائص الصين أساساً في الآتي:
أولاً: لعب «رأس المال الأجنبي المباشر FDI» دوراً غير عادي في تطور الاقتصاد الصيني، ولا سيما في السنوات الثلاثين الأولى من الإصلاح والانفتاح، إلى درجة أن بعض الاقتصاديين انتقدوا الصين قائلين: إنها بدت كأنها استخدمت رأس المال الأجنبي «بإفراط».
ثانياً: على الرغم من أن الصين تخلت عن نموذج الاقتصاد المخطط، وسمحت بآليات السوق وشجعتها، فإن الحكومة ما تزال تؤدي دوراً بالغ الأهمية في التنمية الاقتصادية.
ثالثاً: تمتلك الصين حجماً نادراً للسوق المحلية، كما أن السوق مندمجة بدرجة عالية.
رابعاً: يمتلك نظام الإنتاج الصيني مستوى متقدماً وميزة تكلفة لا تضاهى.
خامساً: بخلاف الغرب، فإن التقدم التكنولوجي في الصين مدفوع بتطبيق التكنولوجيا، ويُظهر ميزة «الابتكار العكسي».
ترسم هذه الحقائق المميزة الأداء غير العادي في تطور الاقتصاد الصيني. ومن الناحية المنطقية، يجب أن يساعد الإطار التحليلي القادر على حل لغز صعود الاقتصاد الصيني في تفسير الأسباب الأساسية التي أنتجت الحقائق المميزة المذكورة أعلاه.


آلية التأثير الثلاثية للدولة الموحدة الكبرى


على مدى أكثر من ألفي عام، كانت الصين دولة موحدة كبرى. وحتى حين شهدت الصين في تاريخها فترات انقسام متعددة، كانت تستطيع التعافي سريعاً والعودة من جديد إلى شكل الدولة الموحدة الكبرى. لفهم حتمية الصعود القوي للاقتصاد الصيني بعد الإصلاح والانفتاح، يجب البدء من شكل الدولة الموحدة الكبرى في الصين، والبحث عن آليات تأثيرها المهمة. بهذه الطريقة فقط يمكن كشف أسباب قدرة الصين على تحقيق اللحاق الاقتصادي والتكنولوجي خلال فترة قصيرة إلى هذا الحد، ويمكن أيضاً تفسير تلك الحقائق المميزة في التنمية الاقتصادية الصينية تفسيراً منطقياً ومعقولاً.

أولاً: هناك قيد الندرة الطويلة الأمد في الموارد. تاريخياً، أدت الدولة الموحدة الكبرى إلى استقرار اجتماعي طويل الأمد، وجلب ذلك نمواً مستمراً في السكان، بينما ظل إجمالي الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية الأخرى محدوداً نسبياً، ما أدى إلى تشكل كثافة سكانية مفرطة، ونسبة مرتفعة جداً بين السكان والموارد. وقد حدّ هذا القيد من قدرة الدولة على
تراكم رأس المال على المدى الطويل. تاريخياً، بقيت الصين فترة طويلة في اقتصاد زراعي، وحققت زراعة مكثفة ودقيقة عند مستوى منخفض نسبياً من تراكم رأس المال، لكن تحسن الإنتاجية كان تحسناً محدوداً جداً. وعندما احتاجت الصين إلى تحقيق التصنيع، أدى انخفاض نصيب الفرد من الأراضي الزراعية- ومن الموارد الطبيعية القابلة للتجارة- إلى جعل الفائض الاقتصادي للدولة محدوداً جداً، ومع نقص العملات الأجنبية، قيّدت كل هذه العوامل تحقيق التصنيع.

لذلك، قررت القيادة الصينية منذ بداية الإصلاح والانفتاح الاعتماد على رأس مال أجنبي مباشر واسع النطاق، لدفع إعادة التصنيع في الصين. وهذا يفسر لماذا اعتمدت التنمية الاقتصادية الصينية «بإفراط» على رأس المال الأجنبي: فمن جهة، جرى اعتماد «مبادلة السوق بالتكنولوجيا»، أي استخدام مقابل السماح بالدخول إلى السوق المحلية لجذب رأس المال الأجنبي، وإقامة مشاريع مشتركة مع الشركات المملوكة للدولة، والدفع التدريجي لتحول صناعات إحلال الواردات المحلية؛ ومن جهة أخرى، جرى تشجيع رأس المال الأجنبي في المناطق الساحلية على تطوير شركات معالجة تصديرية موجهة للخارج بقوة، من أجل تحقيق عائدات من النقد الأجنبي عبر التصدير. وقد تقدم المساران بالتوازي، وحققا في النهاية هدف التراكم السريع لرأس المال، والنمو الاقتصادي السريع.

ثانياً: هناك نظام الحوافز. لم يتوقع الاقتصاديون- السائدون- التطور السريع للاقتصاد الصيني، وكان أحد الأسباب الرئيسية أنهم اعتبروا الصين دولة وحدوية مركزية، وأن مساحة آلية السوق وروح المبادرة محدودة فيها. يتجاهل هذا الرأي حقيقة أن ما يضر فعلاً بروح المبادرة وآلية السوق في العالم النامي هو الحكومة الفاسدة التي لا تفعل شيئاً.
يكمن اختلاف الصين في أنها، خلال أكثر من ألفي عام من الممارسة الطويلة للحكم، طورت تدريجياً نظاماً لتقييم المسؤولين وترقيتهم، يقوم على الأداء السياسي بوصفه محوراً. ومن خلال علاقة تفويض وكالة من الأعلى إلى الأسفل، ينقل هذا النظام أهداف التنمية التي تحددها الحكومة المركزية إلى الحكومات المحلية، وبذلك يشكل نمط حكم موجهاً بالأداء.

 

-------3_result
في ظل هذا الترتيب المؤسسي، يرتبط ترقية المسؤولين المحليين وتقييمهم غالباً ارتباطاً وثيقاً بأدائهم في الحكم. فعلى سبيل المثال: تصبح مؤشرات، مثل: التنمية الاقتصادية المحلية، ونمو الإيرادات المالية، والحفاظ على النظام الاجتماعي، وبناء البنية التحتية، أسساً مهمة في التقييم. وبسبب وجود بنية الحوافز هذه، تميل الحكومات المحلية غالباً إلى الدفع النشط لجذب الاستثمار، وتطوير الصناعة، وبناء المرافق العامة، وبذلك يتشكل نمط حكم إيجابي وصديق للسوق. إضافة إلى ذلك، فإن نظام حوافز المسؤولين الموجه بالأداء يجلب منافسة بين المناطق، وهذه المنافسة تكبح إلى حد كبير «يد النهب» الحكومية، وتخلق مساحة لروح المبادرة وللاستثمار، وريادة الأعمال لدى فاعلي السوق.
أخيراً، هناك قدرة الدولة. لا شك في أن الصين، بوصفها دولة موحدة كبرى، تتجلى قدرة الدولة فيها في أبعاد متعددة. ومن بينها: أنها تجعل قدرة التخطيط الاستراتيجي والتنسيق الشامل الدولة قادرة على إجراء تخطيط استراتيجي عابر للمناطق، وتخصيصاً للموارد في بعض المجالات الأساسية والاستراتيجية والمحورية، ما يخلق للاقتصاد كله وفورات حجم وتأثيرات تآزرية واضحة.

من جهة، يقلل الإطار المؤسسي والنظام الإداري الموحدان الحواجز المؤسسية بين المناطق، بما يسمح بتدفق السلع ورأس المال وقوة العمل على نطاق أوسع. ومن جهة أخرى، تتجلى هذه القدرة على التنسيق أيضاً في التوفير الشامل للصناعات الأساسية والبنى التحتية المحورية، مثل: الطاقة، وشبكات الكهرباء، ونظام النقل، والتسويات المالية، وغيرها من الخدمات الأساسية. ومن خلال التخطيط والتنسيق الموحدين على مستوى الدولة، تستطيع هذه البنى التحتية أن تشكل شبكة مترابطة على المستوى الوطني، وتوفر لنظام الإنتاج والتطور الصناعي شروطاً أساسية مستقرة ومنخفضة التكلفة.
واستناداً، تحديداً إلى هذه القدرة على التنسيق وإلى التوفير الشامل في مجالات الصناعات الأساسية، لم تشكل الصين نظام إنتاج ضخم الحجم وعالي التقسيم فحسب، بل استطاعت أيضاً أن تمتلك ميزة تكلفة أقل في مجال التصنيع المتقدم.


نمط «الابتكار العكسي» في ظل نظام الدولة الموحدة الكبرى


إذا كان نموذج الابتكار الخطي يصف مسار الابتكار من «0» إلى «1» ثم إلى «N»، أي أن تبدأ أولاً الاكتشافات العلمية، ثم تأتي بعدها عملية تجارية واسعة النطاق، فإن تجربة الصين خلال العقود الماضية تعرض مساراً مختلف الاتجاه: أولاً: من «1 إلى N»، ثم من «N إلى N+1». إن «1» في «1 إلى N» ليس ابتكاراً أصيلاً يبدأ من الصفر، بل نقطة تقنية موجودة أصلاً، قد تكون مستوردة، أو قد تكون قائمة على التقليد والاستفادة. أما «N» فيمثل الانتشار الواسع والتسويق السريع في سوق واسعة النطاق. وأما «+1» في «N+1» فهو الاختراق الجديد ذو الطبيعة الأصلية الذي يتولد في أثناء عملية التطبيق الواسع النطاق.
يمكن للتطبيق واسع النطاق للتكنولوجيا، أن يسمح للدولة المتلقية للتكنولوجيا بمراكمة القدرة الأصلية باستمرار. هذه الإمكانية ليست حتمية، بل تحتاج إلى تلبية بعض الشروط المهمة، مثل: حجم السوق الذي يمكن أن يبلغه التطبيق، وجودة نظام التعليم في الدولة المتلقية، ومستوى تراكم رأس المال البشري، والقدرة على استيعاب التكنولوجيا، وغير ذلك. ومن بين هذه الشروط، يُعد حجم سوق التطبيق عاملاً محورياً بصورة خاصة.

أثبت كينيث أرو، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، باستخدام نموذج رياضي صارم، أنه مع زيادة الناتج التراكمي، تستمر تكلفة الوحدة في الانخفاض على طول منحنى التعلم. وبعبارة أخرى، فإن حجم الإنتاج نفسه هو قوة داخلية للتقدم التكنولوجي. وقد وسع روزنبرغ هذه الفكرة أكثر إلى مفهوم «التعلم بالاستخدام»، مشيراً إلى أن الكثير من المنتجات التقنية المعقدة، من محركات الطائرات إلى أنظمة البرمجيات الكبرى، لا تُكتشف تحسينات أدائها الحقيقية، ولا تتحقق أمثلتها التصميمية إلا خلال الاستخدام الفعلي طويل الأمد وواسع النطاق. والخبرة التي يراكمها المستخدمون أثناء الاستخدام تعود إلى المنتجين، وتدفع التقنية نحو الاكتمال، بل قد تولد اتجاهات تصميم جديدة تماماً.
هذه الفكرة شديدة الأهمية لفهم الابتكار العكسي في الصين: حين يستخدم أكثر من مليار مستخدم نظام دفع رقمي واحداً، وحين تسير عشرات الملايين من السيارات الكهربائية في السوق نفسها، فإن تراكم الخبرات وردود البيانات الناتجة عن هذا «الاستخدام» واسع النطاق يشكل بحد ذاته قوة كبيرة، تدفع التقنية نحو المقدمة. إن ذروة المعاملات القصوى التي خلقها مهرجان التسوق «دابل 11» التابع لعلي بابا، كانت الدافع المباشر لولادة تقنية أصلية، هي: قاعدة بيانات «OceanBase».

تمتلك الصين قرابة 700 مليون مستخدم لاتصال الإنترنت عريض النطاق الثابت، وأكثر من 1.2 مليار مستخدم لهواتف الجيل الخامس. يستخدم هؤلاء اللغة نفسها، ويتصل بعضهم ببعض عبر نظام دفع موحد بدرجة عالية وبنية تحتية رقمية. وهذا يشكل أكبر سوق رقمية موحدة في تاريخ البشرية. في سوق كهذه، يمكن أن يبلغ حجم تطبيق أي تقنية مستوى يصعب على الدول الأخرى بلوغه. وهذا الحجم تحديداً هو ما خلق مسار «الابتكار العكسي»: فهو لا يبدأ من «0→1»، بل ينشر أولاً التكنولوجيا الموجودة إلى أقصى حد داخل أكبر سوق موحدة في العالم «1→N»، ثم يولّد، في أثناء هذا
التطبيق واسع النطاق، اختراقاً تقنياً أصيلاً حقيقياً «N→N+1».
طرح بول كروغمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، «تأثير السوق المحلي»، وتنبأ نظرياً بظاهرة معينة: في الصناعات التي تتميز بتزايد عوائد الحجم، تصبح الدولة التي تمتلك طلباً محلياً أكبر مصدراً صافياً لهذه المنتجات. والإنجازات التي تحققها الصين اليوم في مجالات السيارات الكهربائية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وتقنيات منصات التجارة الإلكترونية، والدفع عبر الهاتف المحمول، تتحقق بوصفها إثباتاً لهذه النبوءة. لا يعتمد حجم السوق على عدد السكان فقط، بل يعتمد أكثر على البنية التحتية المؤسسية: وحدة اللغة، واتساق القانون والتنظيم، وسلاسة تدفق عوامل الإنتاج، وقابلية دمج نظام الدفع ونظام اللوجستيات.
إن شكل الدولة الموحدة الكبرى في الصين هو بالضبط ما حوّل أكثر من 1.4 مليار نسمة إلى سوق موحدة فائقة الضخامة بالمعنى الحقيقي. ومن خلال التأثير الهائل لسوقها المحلية، حققت الصين الابتكار التكنولوجي والتنمية الاقتصادية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1281