التسارعية التقنية اليمينية هي نقطة تفجير للرأسمالية

التسارعية التقنية اليمينية هي نقطة تفجير للرأسمالية

التسارعية التقنية اليمينية في عصر الذكاء الاصطناعي تأتي فعلاً من دافع الرأسمالية للتخلص من قدر الركود، ومن القلق تجاه تباطؤ النمو، ومن التوتر أمام ضغط المنافسة العالمية، ومن الخوف من تراجع الهيمنة. لكن لأن هذا «التسارع» يجري ضمن منطق رأس المال، واحتكار المنصات، وحوافز الأمْوَلة، وإطار المنافسة الجيوسياسية، فإن ما يسرّعه لا يقتصر على التقدم التقني، بل يشمل أيضاً التوسع الاحتكاري، واختلال التوزيع، وتعطّل الديمقراطية، واللامساواة العالمية، وقيود الموارد. وبصورة خاصة، قد يتحول التسارع التقني الحالي للذكاء الاصطناعي إلى نقطة تفجير مثالية للرأسمالية.

بقلم: لو تشو لاي


من التسارعية التقنية اليسارية إلى التسارعية التقنية اليمينية


أول طرح للتسارع التقني جاء عام 2013 في «البيان السياسي للتسارعية» الذي قدمه أليكس ويليامز ونيك سرنيس. طرح الباحثان مشروعاً سياسياً يسارياً يستند إلى الإمكانات التحررية للتقنية. في نظرهما، وعلى الرغم من أن الرأسمالية أصبحت تعيق التطور الكامل لقوى الإنتاج، فإن البنية التحتية التقنية التي أنتجتها هي نفسها، مثل: الحوسبة والاتصالات والأتمتة، تنطوي على الشروط المادية اللازمة لتجاوز منطق رأس المال.
لذلك، إذا أراد العمال التخلص من «الاستغلال الخوارزمي» المتعمق، وإذا أراد النظام الاجتماعي إيجاد مخرج يتجاوز الرأسمالية، فإن المفتاح لا يكمن في النضالات التي تعارض التقنية الرقمية وتطالب «بإبطائها» أو «الهروب» منها. على العكس، يجب الدفع نحو «تسارع تقني» أكثر جذرية: فمن جهة، ينبغي تسريع تراكم الشروط المادية التي يحتاج إليها المجتمع الجديد، ومن جهة أخرى، ينبغي تسريع توسيع التناقض بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، بعد أن احتكر رأس المال التقنيات الاجتماعية، ودفع هذا التناقض إلى عتبته الحرجة في أقرب وقت ممكن. بهذه الطريقة فقط يمكن تمهيد الطريق أمام مستقبل ما بعد الرأسمالية.
من الواضح جداً، أن هذه التسارعية التقنية اليسارية كانت تستهدف أمرين.

الأول: هو «الإقطاع التقني»، أي احتكار الطبقة البرجوازية للتقنية المعاصرة.

الثاني: هو تلك النزعات داخل الديمقراطية الاشتراكية الأوروبية التي تدعو إلى «إبطاء التقنية» أو «خفض النمو» من أجل تحقيق انسجام بين العمل ورأس المال.

لكن الغريب أنه منذ الولاية الأولى لترامب عام 2018، اختُطفت أطروحات التسارعية اليسارية في أمريكا على يد التسارعية اليمينية. التسارعية اليمينية هي أولاً التقاء بين النيوليبرالية والنخبوية التقنية. وقد نشأت خلفيتها من مواجهة سلسلة من التناقضات البنيوية، مثل: تباطؤ الإنتاجية في أمريكا، وتفريغ الصناعة، وتعطل السياسة، وتمزق المجتمع. دعا هؤلاء إلى أن يوفر التسارع التقني مخرجاً تاريخياً جديداً لرأس المال، عبر أتمتةٍ أوسع، وقدرات حوسبة أقوى، وجمع بيانات أكثر كثافة، أو إدماج خوارزمي أعمق، بحيث تنجز الرأسمالية تجديداً ذاتياً وتدخل دورة نمو جديدة. هذه هي التسارعية اليمينية.
وبعد بدء الولاية الثانية لترامب، حققت هذه التسارعية اليمينية، عبر التحكم الخفي، والتبرعات السياسية، والتغلغل الداخلي، اندماجاً كاملاً مع الدولة، ما أتاح لأطروحات التسارع اليميني أن تُنفَّذ سريعاً في أمريكا. وبصورة خاصة، فإن الأمر التنفيذي الرئاسي الأمريكي رقم 14365 يشير إلى أن منطق التقنية في أمريكا بات يعلو على المنطق القضائي التقليدي، ويمهد الطريق قانونياً أمام التسارعية التقنية.
اليوم، اختُطفت التسارعية التقنية من قبل المركّب السياسي التقني اليميني. وهناك ظاهرة مثيرة للاهتمام: التسارعية التقنية اليمينية هي سعي قصير المدى، وما تسعى إليه على المدى القصير قد يكون بالضبط ما تخيلته التسارعية التقنية اليسارية على المدى الطويل. لماذا؟
لأن ما يتسارع في ظل هيمنة التسارعية اليمينية ليس التقنية، بل التقنية التي ينظمها رأس المال. لذلك لم تقد الرأسمالية إلى مجتمع أكثر انفتاحاً ومساواة وديمقراطية، بل عززت تركّز رأس المال. بمعنى آخر، لم يلغِ التسارع التقني نزعة الاحتكار في الرأسمالية، بل دفع الاحتكار إلى مستوى السلسلة الكاملة: قدرة الحوسبة، والنماذج، والبيانات، والواجهات.
وهكذا تتشكل هنا مفارقة جوهرية: من جهة، تمثل التسارعية التقنية استراتيجية نشطة للرأسمالية في محاولة التخلص من الركود وتأخير الانحدار؛ ومن جهة أخرى، لأنها ما تزال خاضعة لأولوية الربح، وعوائد المساهمين، وإغلاق الملكية الفكرية، ومنطق المنافسة العالمية، فإن ما تسرّعه ليس التحرر العام، بل صداماً اجتماعياً أكثر كثافة. كلما أرادت الرأسمالية الاعتماد على التقنية لتجاوز الأزمة، استخدمت التقنية نفسها لدفع الأزمة إلى قمة أعلى. وهذا تحديداً هو المسار التحرري الذي تخيلته التسارعية اليسارية في ذلك الوقت. بهذا المعنى، يشكل الطرفان علاقة تواطؤ معقدة.


من «التدمير الخلّاق» إلى «التقويض الذاتي»


لكي نفهم المعنى العميق للتسارع التقني الحالي، يجب وضعه في أفق تاريخي يتصل بالدورات الطويلة للرأسمالية وتطور النماذج التقنية الاقتصادية. ترى نظرية التدمير الخلّاق عند شومبيتر أن روح المبادرة عند رجال الأعمال تدفع موجات الابتكار، ومن خلال تدمير البنى القديمة وإطلاق حيوية جديدة، تشكل آلية استقلاب داخلية في الرأسمالية. من هذا المنظور، لا تكون التقنية تهديداً خارجياً للرأسمالية، بل مصدرها الحركي الأهم. وهذه الموجات الابتكارية هي بالضبط ما يشكل دورات الرأسمالية. وهذه النظرية قريبة نسبياً من نظرية كوندراتييف، ومن نظرية النموذج التقني الاقتصادي، وحتى من تفكير التسارعية التقنية اليمينية اليوم.
إذا عدنا إلى التاريخ، تبدو هذه النظرية مثالية إلى حد بعيد. فالآلة البخارية، والسكك الحديدية، والصلب، والكهرباء والبتروكيماويات، وتقنيات المعلومات والاتصالات، كلها دورات تتوافق في الأساس مع وصف شومبيتر. تبدأ كل دورة أولاً بمرحلة إدخال، وفي هذه المرحلة تولّد التقنية الجديدة حمى في رأس المال المالي، وتترافق استثمارات البنية التحتية مع انقسام اجتماعي حاد. ثم تأتي مرحلة الانعطاف، حيث تظهر الأزمة وإعادة التنظيم المؤسسي، وتسعى الرأسمالية إلى تعديل مؤسساتها كي تتكيف معها. وفي النهاية تدخل مرحلة التوسع، حيث يجري بناء إطار مؤسسي مناسب لها، وتتحرر الإنتاجية بصورة شاملة، إلى أن تبدأ ثورة تقنية جديدة دورة جديدة.
إذا نظرنا إلى الموجة التقنية الحالية الممثلة بالذكاء الاصطناعي وفق هذا النمط التاريخي، فمن المفترض أن تكون في اللحظة الحاسمة التي سماها شومبيتر: الانتقال من مرحلة الإدخال إلى مرحلة التوسع. لكن ما نراه اليوم هو أن هذا التحول لم يكتمل، بل إنه تأخر طويلاً. وخلافاً لما ناقشناه سابقاً، يتسم التسارع في عصر الذكاء الاصطناعي بسِمتين غير مسبوقتين.

الأولى: هي أن سرعة استحواذ الاحتكار على الابتكار تفوق الماضي بكثير. في عصور السكك الحديدية والكهرباء وغيرها، كان الانتقال من اختراع التقنية الجديدة إلى بناء البنية التحتية يحتاج إلى عقود على الأقل، وخلال ذلك كانت توجد مساحة للتعديل المؤسسي والصراع الاجتماعي. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد تركزت السيطرة على النماذج الأساسية، وقدرة الحوسبة، والبيانات، خلال سنوات قليلة فقط، في يد عدد صغير من شركات الساحل الغربي الأمريكي.

الثانية: هي الانفصال الحاد بين عوائد الابتكار وتكاليفه. في الثورات التقنية السابقة، وعلى الرغم من أنها كانت تزيد اللامساواة في مرحلتها الأولى، فإنها كانت تصل في مرحلة التوسع، عبر خلق فرص العمل، ورفع الأجور، وتوسيع الخدمات العامة، إلى نمط من النمو الشامل. أما الأثر التفكيكي للذكاء الاصطناعي، فهو يدفع حصة دخل العمل إلى الانكماش المستمر، ويزيد تركّز عوائد رأس المال، وارتفاع قيمة الأصول في القمة.


كيف يدفع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي الرأسمالية إلى أزمة غير مسبوقة


السمة الجوهرية لتطور الذكاء الاصطناعي في أمريكا هي السيطرة المطلقة لعدد صغير من عمالقة رأس المال على وسائل الإنتاج الرقمية الأساسية. من رقائق GPU الخاصة بشركة إنفيديا، إلى البنية التحتية للحوسبة السحابية لدى مايكروسوفت، ومن نماذج OpenAI المغلقة إلى بيانات البحث لدى غوغل، تسيطر عدة شركات تقنية عملاقة بإحكام على الحلقات الأساسية كلها في سلسلة صناعة الذكاء الاصطناعي. وبسبب الانتشار الكلي للتقنية الرقمية، وترابطها، وما ينتج عن ذلك من اجتماعية غير مسبوقة، فإن هذا الاحتكار لوسائل الإنتاج الرقمية يتحول في الحقيقة إلى احتكار للبنية التحتية في عصر التقنية الرقمية. تتحول الشركات التقنية العملاقة إلى «مرافق عامة» جديدة؛ فأي شركة تريد تطبيق الذكاء الاصطناعي عليها أن «تستأجر قدرة حوسبة» من عمالقة التقنية، وأن تشتري البيانات.

هذا يعني أن المسيطرين على وسائل الإنتاج لا يحتكرون السوق فقط، بل يبدؤون أيضاً باحتكار البنية التحتية الضرورية لعمل المجتمع نفسه. هذه السيطرة على مستوى البنية التحتية تمنح عمالقة التقنية سلطة بنيوية تقارب سلطة الدولة، وتتطور في النهاية إلى احتكار شامل للإنسان. أي، إن رأس المال يبدأ بالسيطرة على الإنسان نفسه، ويستولي بصورة غير متناظرة على «الفائض السلوكي» للإنسان، فيحتكر الإنسان.
من زاوية توزيع الثروة، يُظهر تطور الذكاء الاصطناعي في أمريكا سمة نموذجية هي «استقطاب الأرباح». في طرف هناك تراكم للثروة، وفي الطرف الآخر هناك تراكم للفقر. لن أطيل الحديث في هذا، وأريد هنا فقط أن أتحدث عن أثر شفط الموارد من جانب الذكاء الاصطناعي. المقصود بشفط الموارد، أن التسارعية التقنية غالباً ما تُصوّر التقنية كشيء منزوع المادية، وكأن الخوارزميات ليست سوى شيء في السحابة، وكأن قدرة الحوسبة قدرة مجردة، وكأن العالم الرقمي يستطيع التوسع بلا حدود.
لكن الواقع عكس ذلك تماماً: كلما توسع الذكاء الاصطناعي، ازداد اعتماده على أنظمة هائلة للكهرباء، والتبريد، والأراضي، والرقائق، والمعادن، وشبكات نقل الكهرباء. يمكننا أن نفكر: لماذا تقول أمريكا، ولماذا يقول ماسك كثيراً إن المنافسة في تقنية الذكاء الاصطناعي هي في جوهرها منافسة في مجال الطاقة؟ ولماذا ترسل أمريكا قواتها إلى إيران وفنزويلا؟ إن المنطق الكامن هنا يستحق تأملاً عميقاً.

وهناك أيضاً ظاهرة ما يسمى «الناتج المحلي الإجمالي الشبح». المقصود بـ«الناتج المحلي الإجمالي الشبح» هو «الناتج الذي يظهر في دفاتر الدولة، لكنه لا يُتداول في الاقتصاد الحقيقي». آلية تشكله هي أن الاستبدال التقني في ظل احتكار رأس المال الأمريكي يؤدي، مع كل وظيفة جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى اختفاء عشرات الوظائف التقليدية، كما أن رواتب الوظائف الجديدة لا تساوي إلا جزءاً من مستويات الرواتب السابقة، ما يؤدي إلى انخفاض كبير في دخل عدد واسع من العمال. وفي الوقت نفسه، بعد أن يحتكر العمالقة ثمار النمو في عصر الذكاء الاصطناعي، تتشكل «ازدهارات زائفة». وحين يحول عمالقة التقنية- بفضل مزايا قدرة الحوسبة والبيانات ورأس المال- تقنية الذكاء الاصطناعي إلى أرباح فائقة، تصبح أرقام النمو في الناتج المحلي الإجمالي على دفاتر الدولة مجرد احتفال بالثروة لدى عدد صغير من الشركات. وفي النهاية يتشكل اقتصاد شبح قوامه «تضخم الناتج، وانكماش الاستهلاك».

أما على مستوى الاستقطاب السياسي، فإلى جانب تغلغل عمالقة الذكاء الاصطناعي في المستوى السياسي، وأسرهم للقواعد على مستوى القوانين والأنظمة، هناك أيضاً اتجاه نحو شبه دولنة على مستوى السيادة. مثلاً: تحاول «المدن الخاصة» التابعة لـSpaceX، أو «مدن الشركات» التي تتشكل اعتماداً على مجمعات ضخمة، بناء قواعدها الخاصة في الضرائب، واستخدام الأراضي، والخدمات الأساسية، بل وحتى الشرطة. وهذا، في جوهره، سعي إلى «امتياز خارج الولاية القانونية» داخل أرض الدولة.
وكما حلل هارفي في «موجز تاريخ النيوليبرالية»، فإن هذا هو أحدث محاولة من رأس المال للتخلص من تنظيم الدولة، وبناء «جيوب داخلية». يحاول رأس المال التقني بناء منظومة هوية سياسية وقانونية موازية للنظام التقليدي للدولة. وبالطبع، هناك أيضاً تسريع الذكاء الاصطناعي للاستقطاب السياسي. هذا الاستقطاب السياسي لا يعني فقط أنك يساري أو يميني، بل يعني تحويل السلوك السياسي إلى أداة ربح. الخوارزمية لا تميز موقفك اليساري أو اليميني، بل تستغل تفضيلاتك وتدفع إليك معلومات مختلفة. هذه هي سيطرة رأس المال على السياسة، لا سيطرة السياسة على رأس المال.
من منظور نظرية النظام العالمي، فإن أثر المنافسة الصينية الأمريكية في الذكاء الاصطناعي على دول الجنوب العالمي عميق بصورة خاصة. إن سمة «الاستعمار الرقمي» في نمط تطور الذكاء الاصطناعي الأمريكي تظهر في الجنوب العالمي بوصفها علامة واضحة على نهب منهجي.


ويتجلى جوهرها في «احتكار ثلاثي».


الأول: هو نهب الموارد عبر استعمار البيانات. تستخدم شركات التقنية الأمريكية العملاقة وسائل التواصل الاجتماعي، والتطبيقات المجانية، وغيرها من الأدوات، لتحويل الدول النامية إلى «مناجم بيانات بلا تكلفة».

الثاني: هو القيد الخفي للاعتماد التقني. عبر التحكم بالرقائق والحوسبة السحابية وغيرها من البنى التحتية الأساسية، تبني أمريكا حواجز تقنية من نوع «فناء صغير وجدران عالية»، وتدفع الدول النامية إلى الوقوع في فخ اعتماد «يسهل الدخول إليه ويصعب الخروج منه».

الثالث: هو خطف القواعد عبر احتكار المعايير. تقود أمريكا وضع معايير حوكمة الذكاء الاصطناعي في منظمات دولية، مثل: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة السبع، وتفرض قيمها ومتطلباتها التقنية على الآخرين. ولا تضطر الدول النامية إلى دفع رسوم مرتفعة لتراخيص براءات الاختراع فقط، بل تضطر أيضاً إلى قبول شروط غير عادلة لدخول السوق، ما يؤدي إلى فقدانها مزيداً من المبادرة في ترقية صناعاتها.
في مواجهة هذه الأزمات، تشمل الوصفات التي تقدمها التسارعية اليمينية الدخل الأساسي الشامل وغيره. لكن هذه الحلول لم تدعُ قط إلى سيطرة الطبقة العاملة على OpenAI، ولم تدعُ قط إلى سيطرة الدولة على البنية التحتية أو المرافق العامة، ولم تمسّ قط مسألة ملكية وسائل الإنتاج الأساسية. ويشير تحليل الماركسية الغربية إلى أن المستقبل الذي يقدمه لنا عمالقة التقنية هو شكل من الاشتراكية من أعلى إلى أسفل: هم يحتفظون بأصول الإنتاج، ونحن نحصل على إعانات. وهذا مشروع اشتراكية زائفة فيها توزيع فقط، بلا إنتاج.

------_result


حول الصين


تحتل الصين في مشهد المنافسة التقنية المعاصرة موقعاً حاسماً في الطبقة الثانية. فهي من جهة طرف يشكل النظام القائم من داخله، ومن جهة أخرى قد تكون متغيراً مهماً يستخدم التسارع التقني لتسريع انهيار المنظومة الرأسمالية.
وفقاً لأحدث تقرير صادر عن مؤسسة راند، لا تمتلك الصين حالياً سوى نحو 25% من قدرة الحوسبة العالمية للذكاء الاصطناعي، بينما تبلغ حصة أمريكا نحو 70%. لكن هذه الفجوة لم تتحول إلى أفضلية أمريكية، بل أنتجت أفضلية صينية. حتى شباط 2026، تجاوز حجم استدعاء النماذج الصينية نظيره الأمريكي لأسابيع متتالية. كما أن حجم تصدير الـToken الناتج عن قدرة الحوسبة الصينية يشكل أكثر من 50% من السوق العالمية، وقد تجاوز أمريكا بالفعل. تستخدم الصين 25% من قدرة الحوسبة، لكن حجم صادراتها الحالية تجاوز أمريكا. وقد تصدر النموذج اللغوي الصيني الكبير قائمة استدعاء النماذج الكبيرة في العالم. وقد أغلقت OpenAI خدمة Sora لأن الصين بات لديها ما هو أكثر تقدماً. هذا لا يشير فقط إلى دخول الذكاء الاصطناعي الصيني مرحلة الاستخدام التجاري التقني واسع النطاق، بل يعني أيضاً أن المنافسة التقنية بين الصين وأمريكا أصبحت قوة مهمة في تحديد المشهد التقني المستقبلي.
السبب الكامن خلف ذلك، هو الاختلاف بين المسارين التقنيين في البلدين.

النموذج الأمريكي: أقرب إلى «دورة ابتكار مدفوعة برأس المال»، تقودها رؤوس الأموال المخاطرة، واحتكار المنصات، والتوسع العالمي، حيث تخدم التقنية بدرجة عالية زيادة القيمة المالية وتركيز قوة السوق.

النموذج الصيني: يُظهر سمة أقوى هي «الدفع الاستراتيجي من الدولة»، إذ يضع تطور التقنية ضمن إطار شامل للتخطيط يرتبط بترقية الصناعة، والأمن القومي، والاستقرار الاجتماعي. هذا الاختلاف يجعل الصين تمتلك أدوات ضبط غير سوقية وحواجز مؤسسية أكثر في مواجهة المخاطر الاجتماعية التي يجلبها التسارع التقني.

مع ذلك، فإن فهم الصين فقط بوصفها «مركزاً تقنياً آخر» أو «بديلاً عن النموذج الأمريكي» يظل فهماً جزئياً وخطيراً. إن وجود الصين يمنع العالم من أن يُغلق بالكامل داخل مسار واحد هو مسار أمريكا ـ وادي السيليكون ـ وول ستريت، كما يوفر للجنوب العالمي مساراً ممكناً لتجاوز بنية التبعية القائمة على «المركز ـ الأطراف».

خلال السنوات العشر المقبلة، لن تدخل الرأسمالية تلقائياً، بسبب تسارع الذكاء الاصطناعي، مرحلة جديدة مستقرة ومزدهرة وشاملة للجميع؛ بل من المرجح أكثر أن تدخل مرحلة جديدة عالية التقنية، عالية الاحتكار، وعالية اللامساواة. ستواصل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي النمو، وستواصل قدرة حوسبة النماذج الارتفاع، وستدخل الخوارزميات بصورة أعمق في الإنتاج والاستهلاك. وفي الوقت نفسه، ستتركز قوة السوق أيضاً على امتداد المسار الكامل: الرقائق ـ السحابة ـ النماذج ـ التطبيقات.
في هذه الخلفية، ستصبح التناقضات التي تحدث عنها الاقتصاد السياسي الكلاسيكي بين الإنتاج الاجتماعي الواسع والنظام الخاص، وما ينتج عنها من تناقضات بين قوة العمل والرأسماليين، وكذلك التناقضات السياسية والمؤسسية بين الجنوب العالمي والدول المهيمنة، أكثر حدة، وقد تصل بسرعة أكبر إلى عتبتها الحرجة.
التسارعية التقنية ليست جواباً عن مستقبل الرأسمالية، بل هي جزء من مشكلة مستقبل الرأسمالية نفسها. تحت قيادة منطق رأس المال، كلما تسارعت التقنية، ازداد تركّز رأس المال، وكلما ازداد تركّز رأس المال، ازداد انقسام المجتمع. وكلما ازداد انقسام المجتمع، تعطلت السياسة. وكلما تعطلت السياسة، اتجه النظام إلى حوكمة من نوع الترقيع والتسكين. لم تعد التقنية دواءً خارجياً للأزمة، بل صارت آلية داخلية لها. أما سردية التسارعية التقنية عن «إنقاذ التقنية للرأسمالية»، فسوف تتحول في النهاية حتماً إلى سردية «تسريع التقنية لانهيار الرأسمالية».

معلومات إضافية

العدد رقم:
1281