الرقة... الحمى القلاعية تنخر الثروة الحيوانية وسط غياب الدولة وفقدان الثقة باللقاحات
في الرقة، لم يعد الحديث عن الحمى القلاعية مجرد خبر موسمي عابر، بل تحول إلى وجع يومي يعيشه مربو المواشي مع كل صباح يدخلون فيه إلى حظائرهم وهم لا يعرفون أي رأس سيصمد وأيها سيسقط. المرض ينتشر بصمت قاسٍ بين قطعان الأغنام والأبقار، لكن أثره في حياة الناس صاخب ومباشر؛ خسائر تتراكم، ومواسم إنتاج تنهار، وأسر كاملة ترى مصدر رزقها يتآكل أمامها دون قدرة على وقف النزيف.
المشهد في الريف لا يحتاج إلى كثير من الشرح. خروف صغير ينهار خلال أيام قليلة بعد إصابته، نعاج تفقد قدرتها على الرضاعة، إنتاج يتراجع إلى النصف أو أقل، وأعلاف تُصرف على حيوانات لم تعد قادرة حتى على الوقوف. كثير من المربين يتحدثون عن خسائر لم يعد بالإمكان تعويضها، ليس في عدد الرؤوس فقط، بل في انهيار دورة الإنتاج بالكامل داخل القطيع.
ورغم كل ما يُقال عن اللقاحات والحملات البيطرية، إلا أن الثقة بها لدى شريحة واسعة من المربين أصبحت مهزوزة إلى حد كبير. بعضهم يصفها بأنها «لا تقدم ولا تؤخر»، بعد أن شاهد إصابات تظهر داخل قطعان تم تلقيحها. هذه الشكوى، حتى وإن اختلفت أسبابها بين سوء التخزين أو ضعف السلسلة الباردة أو عدم مطابقة السلالات أو حتى نقص التغطية، فقد خلقت قناعة مريرة عند كثيرين بأن ما يصل إليهم ليس علاجاً حقيقياً بقدر ما هو إجراء شكلي لا يغير من الواقع شيئاً.
في العمق، المشكلة ليست في اللقاح وحده، بل في المنظومة التي يفترض أن تحميه. فلقاح الحمى القلاعية ليس مادة عادية يمكن نقلها وتخزينها بشكل عشوائي، لكنه منتج شديد الحساسية يحتاج إلى رقابة صارمة وسلسلة تبريد لا تنقطع. لكن الواقع الذي يرويه المربون مختلف تماماً؛ نقل غير منضبط، تخزين غير مضمون، ومصادر لا يعرف كثيرون عنها سوى الاسم. وفي النهاية، يتحمل المربي وحده نتيجة ما يحدث، في وقت يُفترض فيه أن يكون هناك نظام واضح يضمن الجودة قبل الوصول إلى الحقل.
الأصعب من ذلك أن كلفة الوقاية نفسها أصبحت عبئاً إضافياً. اللقاحات ليست دائماً متاحة بسهولة، وإن توفرت فهي ليست في متناول الجميع. هذا يدفع بعض المربين إلى الاكتفاء بتلقيح جزء من القطيع أو تأجيله أو التخلي عنه تماماً، وهو ما يفتح الباب أمام استمرار انتشار المرض داخل المنطقة بشكل متكرر، وكأن الحلقة لا تنتهي.
لكن جوهر المشكلة الذي يردده المربون بإصرار هو غياب الدور الفاعل للدولة عبر وزارة الزراعة والمؤسسات البيطرية المعنية. ففي نظرهم، لا توجد خطة واضحة لتأمين لقاحات موثوقة المصدر بشكل منتظم، ولا رقابة كافية على ما يتم توزيعه، ولا حملات شاملة تغطي المناطق في وقت واحد، ولا دعم حقيقي يخفف عنهم كلفة الحماية. والنتيجة أن مكافحة مرض بهذا الحجم تُترك في النهاية لاجتهادات فردية، لكل مربٍّ حسب قدرته وموارده، في حين أن المرض لا يعترف بالفردية أصلاً.
الحمى القلاعية في الرقة لم تعد مجرد أزمة بيطرية، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة المنظومة الزراعية على حماية قطاع الثروة الحيوانية. وبين مربٍّ يخسر قطيعه تدريجياً، ولقاح فقد الكثير من الثقة، ودولة غائبة أو عاجزة عن فرض نظام فعال، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يستمر هذا النزيف الصامت في واحدة من أهم ثروات الريف؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281