افتتاحية قاسيون 1281: أمام مفترق طريق مصيري لإنقاذ البلاد!
تعيش البلاد حالة شديدة الخطورة على الصعد كافة، وهي ليست «بخير» على الإطلاق. ومع ذلك، فإن أمامها، وأمام الشعب السوري، فرصة نادرة تاريخياً لانعطاف جذري يضع الأساس للوصول إلى الدولة المنشودة؛ دولة قوية ومستقلة وعادلة، تكون فيها السلطة للشعب السوري حقاً وفعلاً، أي لأكثر من 90% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، والذين ينتجون ثروة البلاد ولا ينوبهم إلا النزر اليسير منها، والذين ينتمون لكل القوميات والأديان والطوائف والاتجاهات الفكرية والسياسية، ويجمعهم أنهم «تحت» بمقابل أولئك الذين «فوق» والذين ينتمون أيضاً لكل القوميات والأديان والطوائف، ويجمعهم أنهم يستولون على القسم الأعظم مما ينتجه السوريون بعرقهم وتعبهم اليومي، بل وبدمائهم التي بذلوها طوال عقود للدفاع عن هذه البلاد ولإصلاح حالها...
نقول: إن أمام السوريين فرصة نادرة لانعطاف جذري، استناداً إلى التزامن الذي يكاد يكون غير مسبوق، بين عوامل محددة خارجية وداخلية.
العوامل الخارجية: هي أننا نعيش في عصر التراجع والانحدار الأمريكي- «الإسرائيلي» الواضح البيّن الذي لا تخطئه عينٌ سليمة، ولا يضل عنه قلبٌ مبصر. بالتوازي، فإننا نعيش عصراً تتقارب فيه القوى الإقليمية الكبرى في منطقتنا، السعودية، تركيا، مصر، إيران، باكستان، وبدعم وتنسيق وتشجيع صيني روسي، للدفاع عن ذاتها من جهة، ولإعادة صياغة المنظومة الإقليمية والدولية بأكملها. تراجع الأمريكي والصهيوني، وتقدم القوى الإقليمية والدولية الصاعدة، يمنح بلادنا فرصة لتموضع صحيح ينسجم مع مصالحها الحقيقية، العابرة للسلطات والأنظمة، والمتناقضة على طول الخط مع الأمريكي والصهيوني، ومع وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين.
العوامل الداخلية: هي الارتفاع المطرد في نضوج حركة الناس الاحتجاجية، والتي بدأت بالتطور من المطلبي المبعثر المتفرق، إلى حالة أكثر عمومية وتضامناً وانسجاماً فيما بينها؛ حيث يتعلم أبناء الـ90% بتجربتهم، أن لا حلول فردية لمشكلاتهم، وأن لا حلول جزئية أيضاً، وأنهم بحاجة إلى التضامن والتكافل والتعاون فيما بينهم لنيل الحقوق، ويتعلمون أيضاً أن كل هراء طائفي وقومي وكل هراء يدعو لكراهية السوريين بعضهم بعضاً، إنما يصب بالذات ضد مصلحتهم، وفي مصلحة العدو الخارجي الأول «الصهيوني»، وفي مصلحة المنتفعين والناهبين، الجديد منهم أو القديم الذي جرى «غسله».
تضافر هذه العوامل الخارجية والداخلية، وتزامنها، يمنح السوريين بمختلف تياراتهم، فرصة نادرة للنهوض ببلادهم من جديد، موحدة وقوية ومستقلة وعادلة...
وأما العمل الملموس المطلوب لذلك، فيتلخص بالأمور الأساسية التالية:
أولاً: على الصعيد الخارجي، تثبيت وتكريس موقف وطني معادٍ للكيان الصهيوني، وبعيد كل البعد عن أوهام الدعم الأمريكي (ولعل مسألة العقوبات التي لم يتم رفعها فعلياً حتى اللحظة، تكون درساً مناسباً). بالتوازي، ينبغي التموضع بشكل صحيح في إطار العلاقات الدولية والإقليمية، لنسير مع اتجاه التاريخ لا عكسه!
ثانياً: على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي، ينبغي القطع فوراً مع سياسات الأبهة والبهرجة والاستعراض، المترافقة مع التغوّل على حقوق الناس عبر الليبرالية الاقتصادية المنفلتة والمنحازة ضد 90% من السوريين.
ثالثاً: على الصعيد القانوني والسياسي، ينبغي تثبيت حرية التعبير والرأي وحرية العمل السياسي، وبما يصب في مصلحة الـ 90%، أبناء الأرض وأصحابها. ما يعني عملياً الوصول إلى تحقيق «السلطة للشعب»، ضمن النص القانوني الدستوري، وعلى الأرض كواقع ملموس. وأول خطوة في هذا الاتجاه هي حكومة وحدة وطنية حقيقية، يتم تشكيلها فوراً، وتضم التيارات السياسية والاجتماعية الأساسية، وتكون أولى مهماتها المؤتمر الوطني العام الشامل والعلني، الذي يضع السوريون على طاولته مشكلاتهم كلها ويتفقون على طريقة حلها.
الدولة والمجتمع السوري، أمام مفترق طرق مصيري يتطلب حسماً لا لبس ولا غموض فيه، في القضايا الثلاث الأساسية:
- حسم واضح لا يقبل الجدل في الموقف من الصهيوني وألاعيبه، ومن خلفه الأمريكي.
- حسم واضح في القضية الاقتصادية الاجتماعية، لمصلحة الـ 90% وضد اللبرلة المتوحشة.
- حسم واضح في مجال الحريات السياسية، عبر تمكين عموم السوريين من حقوقهم السياسية وحقهم في صناعة قرارهم دون مواربة ودون التفاف...
النافذة الزمنية المتاحة ضيقة، وينبغي الإطلال منها على مستقبل جديد، وعلى هواء نظيف وشمس مشرقة، وبيد الشعب السوري ولمصلحته وبالاستناد إلى حركته... عدم استغلال هذه الفرصة يعني الخسارة المحققة للبلاد بأسرها، بكل من فيها، وبكل قواها السياسية والاجتماعية، ودون استثناء أحد على الإطلاق!
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1281